لازم كلّكم تعترفون

الانتھاكات ضد الأطفال المشتبه في انتمائھم إلى "داعش" في العراق

تقرير صادر عن هيومن رايتس ووتش

 

<  نشأ “نسيم” في الموصل بالعراق، ودرس فيها 5 سنوات حتى سيطر عليها تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في 2014. كان نسيم في سن 13، ولم يكن يحب المقررات التعليمية التي فرضها داعش على مدرسته، فانقطع عن التعليم وصار يعمل مع والده في بيع الخضروات. أثناء معركة الموصل، قال نسيم إن أسرته كانت تتنقل من حي إلى آخر، محاولة تفادي الغارات الجوية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

قال نسيم إن بعد استعادة القوات العراقية للمدينة في يوليو/تموز 2017، لم يكن هناك “أي شيء” في الموصل، ولذلك ذهب وشقيقه إلى أربيل، بإقليم كردستان العراق شبه المستقل، بحثا عن عمل. وفي احدى نقاط التفتيش عند أحد مداخل إربيل، قال له عناصر من “الأسايش” (قوات الأمن بالإقليم) إن اسمه كان ضمن قائمة للمشتبه في انتمائهم إلى داعش، واعتقلوه. قال نسيم إنه وجميع أفراد عائلته لم يكونوا من داعش، وأضاف: “صُدمت عندما اعتقلوني، وأنا أتساءل دائما عن سبب وجود اسمي في القائمة”.

قال نسيم إن عناصر الأسايش استجوبوه وهددوه بعد اعتقاله: “قالوا لي إن لم أعترف بالانضمام إلى داعش، سيرسلونني إلى “قوات الحشد الشعبي” (وحدات عسكرية تحت قيادة رئيس الوزراء العراقي) التي ستقتلني، فوافقت على أن أعترف بأنني التحقت بداعش لمدة 15 يوما، لكنهم قالوا لي إن ذلك ليس كافيا، فقلت 30 يوما”. وبعد أسبوع، عُرض نسيم على قاضي تحقيق فسأله ما إذا كان اعترافه صحيحا، فقال له “كنت أخشى أن أتعرض للتعذيب في حال أنكرت”.

لما قابلت هيومن رايتس ووتش نسيم (الذي صار عمره 17 عاما الآن) في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، كان محتجزا وينتظر المحاكمة بتهم إرهابية. قال: “أتساءل دائما عن سبب وجودي هنا. أفتقد عائلتي كثيرا، وأنا أفكر فيهم كل يوم، كل ثانية”.

منذ أن استعادت أجزاء كبيرة من المناطق العراقية التي سيطر عليها داعش في 2014، اعتقلت السلطات العراقية وسلطات إقليم كردستان آلاف الأطفال المشتبه في انتمائهم إلى داعش. بناءً على معلومات من مصادر متعددة، تشير تقديرات هيومن رايتس ووتش إلى أنه في نهاية 2018، كانت السلطات العراقية وحكومة إقليم كردستان تحتجز حوالي 1,500 طفل بسبب الانتماء المزعوم إلى داعش. كما أدين مئات الأطفال، 185 على الأقل منهم أجانب، بتهم إرهابية، وحُكم عليهم بالسجن في العراق.

يحظر القانون الدولي تجنيد الأطفال أو استخدامهم من قبل الجماعات المسلحة من غير الدول. بحسب المعايير الدولية، يُعتبر الأطفال الذين يُجنَّدون في انتهاك لهذا المبدأ ضحايا يجب مساعدتهم على إعادة التأهيل والاندماج. وإذا تورط الأطفال في جرائم، فإن المعايير الدولية الخاصة بقضاء الأحداث تفرض على السلطات الوطنية إيجاد بدائل للملاحقة القضائية، وإعطاء الأولوية لتدابير إعادة التأهيل بهدف إعادة إدماج الأطفال في المجتمع. على السلطات ألا تحتجز الأطفال إلا إذا كان ذلك الملاذ الأخير ولأقصر فترة ممكنة.

لكن، في العراق، الأطفال الذين لهم أي صلات بداعش يعامَلون كمجرمين، وكثيرا ما يتعرضون للتعذيب على يد عناصر الأمن لإجبارهم على الاعتراف، بصرف النظر عما إذا كانوا فعلا متورطين. كما يتعرضون إلى المحاكمة في محاكم إقليم كردستان ومحاكم العراق، وتصدر بحقهم أحكام بالسجن على أنهم إرهابيين.

سعى العراق وحكومة كردستان إلى تحقيق العدالة في جرائم داعش بإجراء آلاف المحاكمات للمشتبه في انتمائهم إلى داعش، بمن فيهم الأطفال، وغالبا بتهمة الانتماء إلى داعش فقط، دون اعتبار لمدى تورط المتهمين أو ما إذا كانوا ارتكبوا أي جرائم عنيفة. سمحت قوانين مكافحة الإرهاب المُستخدمة من قبل الحكومة العراقية وسلطات إقليم كردستان لقضاة التحقيق بتوجيه تهم إلى أفراد لم يرتكبوا جرائم عنيفة، وقاموا فقط بأدوار مساعدة، مثل العمل كطباخين أو في المستشفيات. كانت “هيومن رايتس ووتش” قد انتقدت سابقا هذا النهج واعتبرته غير متناسب، ولا يعطي أولوية للمحاسبة على أخطر الجرائم المرتكبة في ظل داعش. كما عرّض هذا النهج الأطفال إلى الاعتقال التعسفي والاحتجاز والمحاكمة، في انتهاك للمعايير الدولية.

هذه السياسات العقابية لها عواقب عميقة، حيث تتسبب في وصم طويل المدى؛ تُشتت الأسر وتهجّرهم؛ وتحدّ كثيرا من قدرة الشباب على إعادة الاندماج في المجتمع ومساعدة أنفسهم. بمجرد تصنيفهم ضمن داعش، يصير هؤلاء الأطفال عرضة للهجمات الانتقامية في حال عادوا إلى ديارهم بعد الاحتجاز. كما يواجه الأطفال الذين اعتقلوا واحتجزوا على يد السلطات الكردية في شمال العراق خطر الاعتقال مجددا من قبل القوات العراقية في حال عادوا إلى مناطق خاضعة لسيطرة بغداد. الكثير من المشتبه في انتمائهم إلى داعش يعتقدون أنه لا خيار أمامهم سوى البقاء إلى ما لا نهاية في مخيمات النازحين أو مغادرة البلاد.

احتجاز الأطفال الذين تورطوا قليلا مع داعش – أو لم يتورطوا أصلا – ومحاكمتهم، قد يزيدان من خطر تعرضهم إلى مظالم في المستقبل. قال صبي عمره 17 عاما لـ هيومن رايتس ووتش: “هناك الكثير من الأطفال المحتجزين على أساس شهادات ملفقة. بعد الافراج عنهم، قد ينتقمون من الحكومة والأشخاص الذين تسببوا في سجنهم”.

جنّد داعش بعض الأطفال بالقوة أو الإكراه، بينما التحق به أطفال آخرون بضغط من أقرانهم، أو الأسرة، أو الحاجة إلى المال، أو الهروب من المشاكل العائلية، أو الارتقاء في السلم الاجتماعي. هذه العوامل تعكس دوافع تجنيد الأطفال في معظم النزاعات المسلحة حول العالم. وجدت أبحاث أجريت على بلدان متعددة إن الإيديولوجيا نادرا ما تكون المحفز الرئيسي لانتساب الأطفال إلى الجماعات المتطرفة العنيفة. من بين 29 طفلا وشابا متهمين بالانتماء إلى داعش قابلناهم لغرض هذا التقرير، لم يقل أي واحد ممن اعترفوا بالانتساب إلى التنظيم أن الإيديولوجيا كانت عاملا في اتخاذ قرارهم بالانضمام. قال صبي كان قد التحق بالتنظيم في سن 16: “لم تكن لي أي فكرة عن هدفهم”، وانضم إليهم فقط ليشعر بـ “الشجاعة والقوة”.

منذ 2014، جنّد داعش آلاف الأطفال في العراق بعد أن سيطر على أجزاء واسعة من الأراضي العراقية في إطار “دولة الخلافة” التي أعلنها التنظيم. استخدم داعش الأطفال كمقاتلين في الخطوط الأمامية وانتحاريين، وفي تصنيع وزرع العبوات المتفجرة، وتسيير الدوريات، والعمل كحراس وجواسيس، والعديد من أدوار الدعم الأخرى. كما كان لمئات الأطفال الأجانب صلات بداعش، سواء بالسفر إلى العراق فرادى أو مع أقاربهم، وهم ينحدرون من عشرات الدول في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.

أعمال التدقيق الأمني، والتحقيق، والملاحقات القضائية التي تنفذها السلطات العراقية وسلطات إقليم كردستان ضدّ الأطفال المشتبه في انتمائهم إلى داعش تشوبها عيوب كبيرة، وغالبا ما تتسبب في الاحتجاز التعسفي والمحاكمات الجائرة. في الكثير من الأحيان، توقف قوات الأمن الأطفال بالاعتماد على “قوائم مطلوبين” تتضمن أسماء تم جمعها من مشتبه فيهم آخرين عبر الاستجواب والتعذيب، وتقارير من أسر من المناطق الخاضعة لداعش. تقدّر وزارة الدفاع الأمريكية عدد مقاتلي داعش الذين دافعوا عن الموصل، أحد معاقل التنظيم، بما يتراوح بين 3 آلاف و5 آلاف مقاتل، لكن بحسب مسؤولين كبار في المخابرات العراقية، فإن قوائم المشتبه في انتمائهم إلى داعش تضمّ حوالي 100 ألف اسم. تشمل القوائم أشخاصا يُشتبه في انتمائهم إلى داعش بأدوار مختلفة، بما في ذلك وظائف الدعم كالسائقين والطباخين. البعض ممن توجد أسماؤهم ضمن القوائم ربما لم ينضموا إلى داعش أبدا، ولكن لهم أقارب يُشتبه في انتمائهم إلى التنظيم، أو ربما تم اقتراح أسمائهم من قبل سكان محليين فقط بسبب خلافات شخصية أو محلية. تعتبر “لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان” احتجاز الأشخاص فقط لأنهم أقارب لمجرمين مزعومين شكلا من الأشكال “الصارخة” للاحتجاز التعسفي. يسمح القانون الدولي فقط بفرض عقوبات على مرتكبي الجرائم، بعد محاكمة عادلة لتحديد الذنب الفردي. ينتهك فرض عقوبات جماعية على العائلات أو البلدات أو المجتمعات قوانين الحرب ويرتقي إلى جريمة إلى حرب.

قال الأطفال الذين تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش إن عناصر الأمن عمدوا في الغالب بعد اعتقالهم، إلى استجوابهم وتعذيبهم حتى اعترفوا بالانتساب إلى داعش بصرف النظر عما إذا كانوا فعلا متورطين. في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، قابلت هيومن رايتس ووتش 29 طفلا محتجزين – أو كانوا محتجزين – تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عاما اتهموا وأُدينوا من قبل سلطات إقليم كردستان بالانتماء إلى داعش، منهم 24 محتجزون في “إصلاحية النساء والأطفال” بأربيل، عاصمة الاقليم. كما قال 19 منهم إن عناصر الأسايش عذبوهم ليجبروهم على الاعتراف، وضربوهم على جميع أنحاء أجسادهم بالأنابيب البلاستيكية والكابلات الكهربائية والقضبان. كما تعرض بعضهم إلى الصعق بالكهرباء أو التقييد في أوضاع مجهدة، وهددت قوات الأمن آخرين بالتعذيب في حال رفضوا الاعتراف بالانتماء إلى داعش. أساليب التعذيب التي تحدث عنها الأطفال كانت مماثلة لشهادات قدمها 17 صبيا محتجزين بسبب صلات مزعومة بداعش كانت هيومن رايتس ووتش قد قابلتهم في نفس مركز الاحتجاز في ديسمبر/كانون الأول 2016.

قال العديد من الأطفال لـ هيومن رايتس ووتش إنهم اعترفوا بالانتماء إلى داعش ليوقفوا التعذيب، لكنهم في الحقيقة لم يتورطوا كثيرا أو لم يتورطوا أصلا مع التنظيم. على سبيل المثال، قال بعضهم إنهم خضعوا لتدريب ديني مع داعش، لكن لم تربطهم به أي صلات أخرى. كما قال آخرون إنهم قاموا فقط بأدوار دعم، حيث عملوا كطباخين أو سائقين، بينما أنكر آخرون أي مشاركة في التنظيم. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تقييم ضلوعهم المحتمل في داعش بشكل مستقل.

خلال فترة أبحاث هذا التقرير، لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من الوصول إلى الأطفال المحتجزين من قبل السلطات الاتحادية العراقية باستثناء طفل محتجز تعرض للتعذيب خلال الاحتجاز. إلا أن أبحاثا سابقة أجرتها هيومن راتيس ووتش وآخرون تبيّن أنّ السلطات العراقية الاتحادية أيضا تعذّب الأطفال الذين لهم صلات مزعومة بداعش. أفادت “لجنة مناهضة التعذيب” في 2015 بأن الأشخاص المشتبه في تورطهم في الإرهاب، بمن فيهم الأطفال، تعرضوا للاعتقال دون إذن، واحتُجزوا بمعزل عن العالم الخارجي، ومورس عليهم تعذيب شديد لإجبارهم على الاعتراف. قال قاض من نينوى لـ هيومن رايتس ووتش إن “العديد” من المشتبه في انتمائهم إلى داعش ادعوا في المحكمة أنهم تعرضوا للتعذيب. وجد تحقيق سابق أجرته هيومن رايتس ووتش أن القضاة العراقيين يتجاهلون بشكل روتيني مزاعم تعذيب المشتبه في انتمائهم إلى داعش.

الكثير من الأطفال المحتجزين لدى سلطات إقليم كردستان لا يعلمون ما إذا كان لهم محام، وقالوا إنهم يخافون من أن تؤدي مطالبتهم بمحام إلى عقوبة أشد. كما قال أغلبهم إن جلسات محاكمتهم لم تتجاوز 10 دقائق، وجرت باللغة الكردية، التي لا يفهمونها. اعتمدت الجلسات على ما يبدو بشكل كامل على اعترافات الصبية رغم وجود مزاعم بأنها انتزعت منهم تحت التعذيب. قال العديد من الصبية إنهم أخبروا القضاة بأنهم اعترفوا تحت التعذيب، لكن قال كل واحد منهم إن القاضي تجاهل هذه المزاعم على ما يبدو.

أيضا، هيومن رايتس ووتش قلقة للغاية بشأن أوضاع الاحتجاز في إصلاحية النساء والأطفال في إقليم كردستان، بما يشمل فترات الحبس المطولة، نقص التعليم وإعادة التأهيل، الرعاية الصحية غير الكافية، عدم الاتصال بالعائلة، والانتهاكات التي يرتكبها بعض الحراس، ومنها الضرب والإساءات اللفظية والتهديد بالقتل. قال العديد من الصبية في الإصلاحية إن الحراس أخرجوهم من غرفهم وأخذوهم إلى الخارج، بعيدا عن كاميرات المراقبة، وضربوهم بالأنابيب البلاستيكية، أو أيديهم، أو أحذيتهم. حاول أحد الأطفال الانتحار بجرح نفسه، لكنه قال إنه لم يحصل على أي رعاية نفسية أو معاملة خاصة.

الخطوات التالية

ينبغي للعراق وحكومة كردستان العراق تغيير نهجهما بشكل كبير تجاه الأطفال المشتبه في انتمائهم إلى داعش. من أجل احترام حقوق هؤلاء الأطفال، ينبغي للسلطات الاعتراف بالأطفال الذين جندهم داعش كضحايا، والكف عن احتجازهم لمجرد الانتماء إلى التنظيم، وإعطاء الأولوية لإعادة تأهيلهم وادماجهم. كما ينبغي لبرلمانَيْ العراق وإقليم كردستان تعديل قوانين مكافحة الإرهاب لوضع حد لتجريم انتماء الأطفال دون 18 عاما إلى التنظيمات الإرهابية. وفي انتظار هذه التعديلات، ينبغي للمجالس القضائية في العراق وإقليم كردستان توجيه القضاة والمدعين العامين والأجهزة الأمنية إلى الكف عن اعتقال واحتجاز ومقاضاة الأطفال فقط للاشتباه في انتمائهم إلى داعش، والأمر بالإفراج عن جميع الأطفال الذين لهم صلات مزعومة بالتنظيم، ما لم يكن هناك اشتباه في ارتكابهم جرائم عنيفة. ينبغي للسلطات أيضا التعاون مع “منظمة الأمم المتحدة للطفولة” (“اليونيسف”) ووكالات حماية الطفولة لوضع برامج إعادة تأهيل وإعادة إدماج للأطفال الذين ثبتت صلاتهم بداعش، بما في ذلك البرامج التعليمية، التدريب المهني، الاستشارات الطبية والنفسية-الاجتماعية، ومبادرات إعادة الإدماج الاجتماعي.

وفي الحالات التي يُزعم فيها تورط الأطفال في أعمال عنيفة بصفتهم عناصر في داعش، ينبغي للسلطات الحكومية ضمان معاملتهم في إطار المعايير الدولية لقضاء الأحداث، لا سيما ضمان اللجوء إلى الاحتجاز فقط كملاذ أخير ولأقصر فترة زمنية ممكنة، واحتجازهم بشكل منفصل عن البالغين، وحصولهم على مساعدة قانونية، مع التركيز أساسا على مصالح الطفل الفضلى، وإعطاء الأولوية لإعادة التأهيل والإدماج في المجتمع.

ينبغي للسلطات العراقية وسلطات إقليم كردستان العمل فورا للقضاء على تعذيب وسوء معاملة الأطفال الذين يعتقلون للاشتباه في انتمائهم إلى داعش، والتحقيق مع الجناة ومحاسبتهم. كما يجب على القضاة عدم الأخذ بالاعترافات الناتجة عن التعذيب وسوء المعاملة.

منهجية التقرير

أجرت هيومن رايتس ووتش أبحاث هذا التقرير في شمال العراق في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، واعتمدت على أبحاث سابقة أجرتها في 2016. قابل باحثو هيومن رايتس ووتش 29 صبيا وشابا محتجزين بسبب صلات مزعومة بداعش، 24 منهم محتجزون في إصلاحية النساء والأطفال بأربيل، و5 كانوا محتجزين ثم أطلق سراحهم. من بين الذين قابلناهم في الإصلاحية، هناك 22 صبيا تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عاما، و2 في سن 18، محتجزون بسبب صلات مزعومة بداعش لما كانوا أطفالا. ومن بين الأطفال الـ 24، كان هناك 8 مدانين، بينما كان البقية في انتظار المحاكمة. ومن أصل الأطفال الـ 22، اعتُقل 14 في 2018، و6 في 2017، و2 في 2016. لم تكن توجد أي فتيات يواجهن تهما تتعلق بالأمن القومي في الإصلاحية أثناء زيارة هيومن رايتس ووتش.

كما قابلت هيومن رايتس ووتش أفرادا من عائلات 8 أطفال آخرين كانوا قد اعتقلوا من قبل السلطات العراقية للاشتباه في انتمائهم إلى داعش، وموظفين في إصلاحية النساء والأطفال بأربيل، وتشاورت مع منظمات دولية تعمل على مسائل العدالة في العراق، وكذلك محامين محليين وخبراء قانونيين آخرين. جرت المقابلات في إقليم كردستان والأراضي التابعة للحكومة العراقية الاتحادية.

لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من دخول مراكز احتجاز في مناطق عراقية خاضعة للحكومة الاتحادية ومقرها بغداد أثناء رحلتها البحثية في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، لكنها في 2017 كانت قد زارت 3 مراكز احتجاز في المناطق الخاضعة لسلطة بغداد، ومركزين في بلدة القيارة، على مسافة 60 كيلومتر جنوب الموصل، ومركزا ثالثا في قسم محلي للشرطة في حمام العليل، على مسافة 30 كيلومتر جنوب الموصل.

تحدث باحثو هيومن رايتس ووتش مع جميع من قابلتهم تقريبا بشكل مباشر وباللغة العربية، باستثناء مقابلتين مع أفراد من العائلات تمتا عبر الهاتف. بعض المقابلات تمت بالعربية مع ترجمة إلى الإنغليزية. أعلم الباحثون كل من قابلوهم بهدف المقابلة وطبيعتها الطوعية، وبكيفية استخدام المعلومات، وحصلوا على موافقات منهم جميعا، بعد أن فهموا أنهم لن يحصلوا على أي مقابل لقاء مشاركتهم. ولأسباب تتعلق بالأمن الشخصي، حجبت هيومن رايتس ووتش أسماء أغلب الأشخاص الذين قابلتهم والمعطيات التي قد تكشف عن هويتهم. أسماء الأطفال المستخدمة في التقرير هي أسماء مستعارة.

في ديسمبر/كانون الأول 2018، بعثت هيومن رايتس ووتش برسائل إلى الحكومة العراقية وسلطات إقليم كردستان، قدمت فيها النتائج الأولية والتمست معلومات عن الأطفال الذين كانوا محتجزين بسبب صلات مزعومة بداعش.  وجَّهت هيومن رايتس ووتش رسائل متابَعة إلى كل من حكومتَي العراق وإقليم كردستان في فبراير/شباط 2019. وردت حكومة إقليم كردستان على الرسالة الأولى في 14 ديسمبر/كانون الأول، والثانية في 18 فبراير/شباط 2019. تم إدراج كلا الردّين في هذا التقرير. في وقت النشر، لم تكن الحكومة العراقية قد ردّت على أي من الخطابين.

تحافظ هيومن رايتس ووتش على حوار مع الحكومة العراقية وسلطات إقليم كردستان، وتُقدّر التعاون الذين تلقاه.

تُستخدم كلمات “طفل”، “أطفال”، و”صبي” للإشارة إلى الأشخاص دون 18 عاما من العمر، بما يتماشى مع الاستخدام الجاري في القانون الدولي.

I. تجنيد واستخدام الأطفال من قبل داعش

 

إبتداءً من 2014، سيطر داعش على أجزاء كبيرة من الأراضي العراقية، وارتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وكان مسؤولا عن مئات الهجمات الانتحارية وبالسيارات المفخخة، الإعدامات الجماعية، العنف الجنسي، قطع الرؤوس في الساحات العامة، وأعمال التعذيب. سيطر داعش على ملايين الناس لمدة 3 سنوات، وفرض ضرائب على العائلات، وصادر الممتلكات، ودمّر المواقع الدينية والأثرية. قاتلت القوات العراقية والكردية، ومعها تحالف دولي، ضد داعش، فاستعادت أغلب أجزاء البلاد في 2017. لكن القوات التي قاتلت داعش ارتكبت أيضا انتهاكات خطيرة، شملت التعذيب، الإعدام خارج نطاق القضاء، والهجمات العشوائية على مناطق مدنية.[1]

أثناء سيطرته على مناطق العراق، جنّد داعش آلاف الأطفال، واستخدمهم كانتحاريين ومقاتلين وفي تصنيع وزرع العبوات الناسفة. كما عمل الأطفال كجواسيس وكشافة، ونقلوا الامدادات والمعدات العسكرية، وعملوا في الدوريات ونقاط التفتيش، وصوروا الهجمات لأغراض دعائية، وشغلوا وظائف دعم أخرى.[2] تبين سجلات داعش حول موظفيه أن ما يصل إلى 41 بالمائة من العاملين في بعض وحداته في سوريا كانوا دون 18 عاما.[3]

الأطفال الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش وقالوا إنهم كانوا على صلة بداعش ذكروا عديد الأسباب التي دفعتهم إلى الالتحاق بالتنظيم، ومنها الحوافز المالية، ضغوط الأقران والعائلة، الهروب من المشاكل العائلية، والرغبة في تحقيق وضع اجتماعي مرموق. استنادا إلى أبحاث أجرتها هيومن رايتس ووتش حول تجنيد الأطفال واستخدامهم كجنود في أكثر من 10 نزاعات مسلحة حول العالم، فإن هذه الدوافع نموذجية للأطفال الذين يلتحقون بالجماعات المسلحة أثناء النزاعات المسلحة. كما وجدت أبحاث حول دول متعددة أجرتها “جامعة الأمم المتحدة” أنه خلافا للاعتقاد السائد، فإن الإيديولوجيا نادرا ما تكون عاملا رئيسيا محفزا لانتساب الأطفال إلى الجماعات المتطرفة العنيفة.[4] لم يذكر أيٌّ من الأطفال الذين قابلناهم لأجل هذا التقرير أن إيديولوجيا داعش كان لها دور في قراره بالالتحاق بالتنظيم.

قال العديد من الأطفال إنهم التحقوا بداعش للحصول على راتب. قال “أيمن” (16 عاما): “لم يكن لدي المال، ولذلك قررت الانضمام من أجل المال. كانوا يعطون 60 ألف دينار في الشهر (51.6 دولار). لم أكن أفعل شيئا، فقط أجلس تحت الجسر وأحمل سلاحا. ذلك كل شيء”.[5] كما قال “سلام” (17 عاما) إنه التحق بداعش في الموصل عام 2015، لما كان عمره 14 عاما، وكان يجني 65 ألف دينار شهريا (55.9 دولار) من خلال عمله كطباخ. وأضاف: “لم أرغب أبدا في القتال، ولذلك بقيت طباخا”.[6]

قال أغلب الأطفال إن المدارس توقفت عن العمل في قراهم بعد سنة من مجيء داعش، وإن التنظيم سيطر على العديد من الشركات التجارية المحلية. قال “يوسف” (17 عاما) إنه كان يعمل في مطعم في الموصل، ولكن المطعم أغلق بعد أقل من شهر من سيطرة داعش على المدينة. قال إنه عمل بعد ذلك 3 أشهر في مطعم آخر كان يُعد الطعام لداعش. كما قال إن داعش أخذ بطاقة هويته لكي يدفع أجره، ويعتقد أن ذلك هو سبب ظهور اسمه في قائمة للمشتبه في انتمائهم إلى التنظيم.[7]

قال “فرج”، من الموصل، إنه غادر المدرسة في 2014 لأن داعش كان يستخدم المدارس لتجنيد الأطفال. وبعد سنتين، لما كان في سن 16، قرر الانضمام إلى داعش لجني المال. قال إنه شارك في تدريب ديني وعسكري لمدة 20 يوما، فأصبح عنصرا، وأضاف: “كنت مسؤولا عن الأمن في الشوارع وحماية بعض المباني العامة. لم أشارك في إيذاء أيّ كان، حتى أثناء عملي كشرطي”.[8]

قال “فواز” (16 عاما) إن ضغوط الأقران هي التي غالبا ما شجعت الناس على الالتحاق بداعش، وأضاف: “إذا كان لك أبناء عم أو أصدقاء التحقوا بالتنظيم، فسيأتون إليك ليقنعوك لتفعل المثل. وإذا التحق شخص من العشيرة، فإن آخرين سيذهبون أيضا”.[9] قال “داود”، من الحويجة، إنه التحق بداعش في 2015، لما كان عمره 14 عاما، وأضاف: “كنت مع مجموعة من الشباب الآخرين الذين كانوا في العمر نفسه تقريبا، وكنا حوالي 15 في المجموع، فقررنا الالتحاق بتدريب”. لكنه قال إنه غير رأيه بعد يوم واحد من التدريب، وقرر المغادرة.[10]

قال “نوار” (17 عاما) إن شقيقه الأكبر ضغط عليه ليلتحق بالتنظيم، وأضاف “لم أكن أرغب في الالتحاق، لم أكن أريد داعش. أخوالي شيعة وأحب أقاربي من جهة أمي. أشعر أنني شيعي أكثر من سني، ولذلك فأنا ضدّ عقيدة داعش. لم أكن أرغب حتى في الصلاة كما يفعلون”. أجبره شقيقه في نهاية المطاف على الانضمام إلى داعش. قال نوار إنه أمضى 10 أيام في التدريب، وعمل كحارس 10 أيام أخرى، لكن بعد ذلك قُتل شقيقه فغادر التنظيم. قال: “بعد أن توفي، لم يعد هناك سبب لأبقى”.[11]

قال العديد من الصبية لـ هيومن رايتس ووتش إنهم شاركوا في تدريبات دينية لداعش لكن لم يكن لهم مشاركات أخرى مع التنظيم. قال “سامي”، من الموصل، إنه غادر المدرسة في سن 13 عاما للعمل في مصنع، وإن مشاركته الوحيدة مع داعش كانت التحاقه بدروس قرآنية في المسجد بعد العمل لمدة 15 يوم.[12]

قال صبيان إنهما التحقا بداعش بسبب مشاكل عائلية. قال “سعدون” (17 عاما) إن والدته توفيت، فأخذه أحد الجيران إلى داعش لأنه ظنّ أن بوسعهم مساعدته. شارك “سعدون” في تدريب ديني وعلى الأسلحة لعدة أيام، لكنه لم يكن يرغب في الانضمام وإعلان البيعة. قال: “هددوني وقالوا إن عليّ العودة، لكنني لم أكن أرغب في ذلك. اختبأت داخل المنزل وخلفه، ونمت في الخارج. كانوا يفعلون أشياء سيئة لم أكن أوافق عليها، ولذلك رغبت في المغادرة”.[13]

قال “محمود” إنه التحق بداعش في سن 15 لأنه لم يكن سعيدا في المنزل. كان والده قد ضربه لمشاركته في عراك، فقرر مغادرة المنزل والانضمام إلى التنظيم. لكنه قال إنه غيّر رأيه في اختباره التوجيهي الأول، وعاد إلى المنزل. وبعد 3 أو 4 أشهر، أصابت غارة جوية منزل عمه وقتلت جميع أطفاله، فقرر محمود الانضمام إلى داعش مرة أخرى. قال إنه خضع هذه المرة إلى تدريب على الشريعة والأسلحة دام 25 يوما، ثم أمضى عدة أيام في دورية في الموصل حاملا بندقية كلاشنكوف. قال إنه نُقل إلى كريملاش، بلدة مسيحية تبعد 17 كيلومتر شرق الموصل، وفي آخر 2015 تلقى أمرا بالمشاركة في هجوم على “البشمركة” (قوات عسكرية كردية). قال: “أخذنا أسلحة وأرسلونا إلى الخطوط الأمامية. كنت أطلق النار عشوائيا على البشمركة. كنت خائفا، وفكرت ‘هذا هو الموت’. دامت المعركة 6 ساعات تقريبا، لكن بعد ذلك حصلت غارة جوية، فبدأ مقاتلو [داعش] في الفرار”. كما قال إنه أمضى عدة أيام بعد هذه المعركة يساعد في نقل مقاتلي داعش المصابين وجثث القتلى، ثم قرر المغادرة والعودة إلى المنزل.[14]

قال “جبار” إنه التحق بداعش في يونيو/حزيران 2017 لتحسين وضعه الاجتماعي، وكان عمره 16 عاما. قال: “التحقت [بداعش] لأنه يمنحك شعورا بالشجاعة والقوة. الجميع سينظرون إليك، وستشعر بالقوة عندما تسير في الشارع بسلاحك”. قال إن أغلب أصدقائه انضموا، فقرر الانضمام أيضا. قال عن داعش: “لم تكن لدي أي فكرة عن هدفه، لكنني اعتقدت أنني سأستمتع بالوضع”. قال إنه حضر تدريبا عن الشريعة الإسلامية لمدة 15 يوما، لكنه لم يتلق تدريبا على الأسلحة، ورغم ذلك حصل على “كلاشنكوف”. كما قال إنه عمل لمدة 3 أشهر كسائق لدى التنظيم يوزع الماء براتب شهري قيمته 60 ألف دينار (51.6 دولار). ولما بدأ التحالف المناوئ لداعش هجومه لتحرير الحويجة، مدينة على مسافة 125 كيلومترا جنوب الموصل، في سبتمبر/أيلول 2017، هرب. قال إن داعش قال له إنه يتعين عليه البقاء والقتال، لكنه دفع المال لمهرّب ليساعده على الفرار.[15]

قال العديد من الأطفال إنهم أدركوا انخداعهم بداعش. محمود، المذكور أعلاه والذي قاتل في كريملاش، قال: “بدأت أفهم أن الأمر مصلحة شخصية، فكبار القادة لم يكونوا يرسلون أبناءهم إلى الخطوط الأمامية، وكانوا فقط يرسلون أمثالنا ممن ليس لهم معارف جيدة. عوائل داعش كانت تتمتع بحياة أفضل منا، وتحصل على أكل جيد. كنا نأكل البصل فقط، بينما كان جيراننا من داعش يأكلون الدجاج واللحم كل يوم”.[16] قال “محمد” إنه حضر تدريبا لداعش دام 60 يوما، لكنه قرر المغادرة بعد ذلك. قال: “داعش جماعة فظيعة. إنهم مدمرون. السبب الوحيد الذي جعلنا ننضم إلى داعش هو أننا كنا صغارا ولا نفكر. لم أكن أعرف أنهم كذلك، فقد كنا مجرد أطفال”.[17] قال “جبار” إنه بات نادما على الانضمام إلى داعش، وأضاف: “إن أتيحت لي الفرصة مجددا، لن ألتحق. لم أحصل على أي فائدة. الفائدة الوحيدة التي جنيتهما من الالتحاق بداعش هي السجن”.[18]

لم تستطع هيومن رايتس ووتش تقييم احتمال تورط الأطفال الذين تمت مقابلتهم مع داعش بشكل مستقل.

 

II.قوائم “المطلوبين” والفحص الأمني للمشتبه بهم

 

إثناء النزاع مع داعش، شرعت مختلف الأجهزة الأمنية العراقية والكردية في إعداد قوائم للمشتبه في انتمائهم إلى داعش. قدرت وزارة الدفاع الأمريكية عدد مقاتلي داعش الذين دافعوا عن الموصل، معقل التنظيم، بما يتراوح بين 3 آلاف و5 آلاف مقاتل،[19] لكن بحسب مسؤولين كبار في المخابرات العراقية، فإن قوائم المشتبه فيهم شملت حوالي 100 ألف اسم.[20]حصل مسؤولو الأمن على الأسماء من المحتجزين أثناء استجوابهم أو من أشخاص فروا من المناطق التي يسيطر عليها داعش، ثم قدموا أسماء المنتمين إلى التنظيم في مجتمعاتهم المحلية، وكذلك من المعلومات التي ينشرها داعش بنفسه. شملت القوائم أفرادا يُشتبه في انتمائهم إلى داعش بأشكال مختلفة، بما في ذلك وظائف الدعم، مثل السائقين والطباخين، أو فقط لكون أحد أقاربهم مع داعش.[21] بحسب لجنة حقوق الإنسان، فإن احتجاز الأشخاص فقط لأنهم أقارب لمجرمين مزعومين هو شكل من الأشكال “الصارخة” للاحتجاز التعسفي.[22] كما وردت على هيومن رايتس ووتش العديد من الادعاءات من عائلات محتجزين يُشتبه في انتمائهم إلى داعش بأن جيرانهم أو أشخاصا آخرين اقترحوا إضافة أسمائهم إلى إحدى “قوائم المطلوبين” فقط بسبب خلافات عائلية أو شخصية أو على الأرض.[23]

في أواخر 2016 وبداية 2017، راقبت هيومن رايتس ووتش السلطات في نقاط التفتيش وهي تتثبت من بطاقات هوية الرجال والصبية المغادرين لمناطق داعش، وتحتجز كل من يوجد اسمه على قوائم المطلوبين.[24] في بعض الحالات، كان يتم اعتقال الأشخاص لأن آخرين من نفس الأحياء كانوا مسافرين معهم وقالوا إنهم ينتمون إلى داعش، حتى وإن كانت أسماؤهم غير موجودة على قوائم المطلوبين.

بحسب مسؤول كبير في المخابرات العراقية، فإن آلاف المشتبه بانتمائهم إلى داعش المحتجزين حاليا اعتُقلوا على أساس معلومات خاطئة، أو لأنه أبلغ عن أسمائهم دون مبرر لذلك.[25] كما وثقت هيومن رايتس ووتش حالات اعتُقل فيها رجال وصبية لأن أسماءهم مطابقة لأسماء مشتبه بهم في القائمة.

ولأن السلطات تحدد المشتبه في انتمائهم إلى داعش اعتمادا على تحقيقات قد تشمل التعذيب،[26] والتكهنات بشأن انتماء العائلة، الهوية الخاطئة، والتهم الصادرة عن أفراد آخرين من نفس المجتمع المحلي دون أدلة ملموسة، فإنها تحتجز بالغين وأطفالا كانت لهم صلات ضئيلة بداعش أو لم تكن لهم أي صلات أصلا.

 

III.     معاملة القوات الاتحادية للأطفال المشتبه بانتمائهم إلى داعش

 

الاعتقالات

إعتقلت القوات العراقية آلاف الأطفال للاشتباه في انتمائهم إلى داعش.[27] في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وثقت هيومن رايتس ووتش العديد من الحالات لأطفال اعتقلتهم القوات العراقية في مخيمات للنازحين. قال رجل لـ هيومن رايتس ووتش إن ابنه “عبدالله”، الذي كان عمره وقتها 13 عاما، فقد إحدى ساقيه في غارة جوية على الموصل، ففرت العائلة إلى مخيم للنازحين في 2017. وبعد أن أمضت الأسرة سنة هناك، جاءت قوات من “فرقة الأسلحة والتكتيكات الخاصة” الخاضعة لقيادة وزارة الداخلية في أغسطس/آب 2018 واعتقلت عبدالله، وكان عمره وقتها 14 عاما، مصرة على أنه كان مع داعش. قال الأب: “أعتقد أن شخصا من قريتنا هو الذي بلغ عنه لأن عمه داعشي. قال الناس إنهم شاهدوه في الموصل مع داعش. كان يتجول مع داعش لأنهم كانوا أصدقاءه وأبناء عمه، ذلك كل ما في الأمر”. وبعد 3 أشهر من اعتقال الصبي، قال الرجل إن العائلة لم تحصل على أي معلومات عن مكان عبدالله وسلامته.[28]

قالت امرأة في مخيم للنازحين إن الشرطة العراقية اعتقلت ابنها البالغ من العمر 13 عاما في المخيم في أغسطس/آب 2018، مع جدته البالغة من العمر 70 عاما. قالت إن زوجها وأشقاءه انضموا إلى داعش وقُتلوا في غارة جوية على الموصل. كان ابنها عمره 12 عاما لما فروا من الموصل. قالت إن الشرطة أخبرتهم أن أحدهم أبلغ أن ابنها شوهد يرتدي ملابس على طريقة قندهار، وهي قميص طويل الطويلة والسروال الذي يفضله الكثير من أعضاء داعش، ويحمل سلاحا. أنكرت أن ابنها كان يحمل أي سلاح، وقالت: “أعتقد أنهم أخذوا كلاهما لأنهم لا يصدقون أن زوجي وأشقاءه قُتلوا ولأننا لا نستطيع اطلاعهم على الجثث، ولذلك اعتقلوهما ليستدرجوا زوجي. أو ربما فعلوا ذلك من أجل المال، فالسكان المحليون يقدمون بلاغات كاذبة لقوات الأمن ويقبضون مقابلها”.[29]

قالت امرأة أخرى في أحد المخيمات لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الأمن العراقية اعتقلت ابنها “أحمد” (15 عاما) في مايو/أيار 2018. قالت إن جنديا جاء إلى خيمتها ليسأل عن ابنها لما كان بالخارج يلعب كرة القدم. وبعد ساعة أو ساعتين، عادت سيارة وعلى متنها 7 جنود، وقالوا لها إن ابنها ليس له أي مشاكل ولكنهم يريدون أن يسألوه بعض الأسئلة بحضورها. لكنها قالت إنهم أخذوه بمجرد عودته: “بدأ ابني في البكاء لما أخذوه. قال لي ‘أمي، تعالي معي، تعالي معي’. ذهبت معه إلى السيارة العسكرية، لكنهم دفعوني”. قالت إن العناصر قالوا لها إنهم سيعيدونه، ولكن مضى على ذلك 6 أشهر وابنها لم يعد. بحسب عائلة الصبي، كان والده وأشقاؤه في داعش، وقُتلوا في الموصل، لكن أحمد لم يشارك في شيء. قالت والدة أحمد إنه تمكن من الاتصال بها من سجن في الشرقاط، وإن جدته تمكنت من رؤيته مرتين – مرة في سجن الشرقاط ومرة بعدما نُقل إلى تكريت – لكنهم لم يسمعوا أي معلومات عن قضيته أو متى سيُطلق سراحه.[30]

تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى عائلتين أخريين قالتا إن قوات الأمن اعتقلت طفلا من المخيم للاشتباه في انتمائه إلى داعش. قال رجل إن الشرطة اعتقلت أخاه “إبراهيم” (17 عاما) في سبتمبر/أيلول 2017 في مخيم حمام العليل، ولكن لما ذهبت العائلة إلى المركز، أنكرت الشرطة احتجازه. وبعد أكثر من سنة، مازالت العائلة لا تعرف مكانه. قال شقيقه: “إبراهيم لم ينتمِ إلى داعش ولم يعمل لصالحه، ولا أعرف لماذا أخذوه”.[31] وفي حالة أخرى، ذكر أب أن الشرطة اعتقلت ابنه في أكتوبر/تشرين الأول 2017، لما كان عمره 14 عاما. قال إنه تمكن من رؤيته مرة في سجن حمام العليل، لكن السلطات هناك سمحت له بالتحدث إليه لدقيقتين. عاد إلى هناك بعد أسبوعين، لكن الشرطة قالت له إن ابنه نُقل. أعلمه أحد عناصر الشرطة أنه نُقل إلى الموصل، لكن آخر قال إلى بغداد. قال: “أنا الآن محتار، لا أعلم ما حصل له”.[32]

قالت امرأة لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات تابعة لـ “جهاز مكافحة الإرهاب” تعمل في نقطة تفتيش جنوب الموصل اعتقلت ابنيها “أثير” (15 عاما) و”صدام” (17 عاما) في أغسطس/آب 2017.[33] قالت إن القوات أخرجت ابنيها، وكلاهما طالبين كانا سيعودان إلى المدرسة في سبتمبر/أيلول، من سيارة العائلة في نقطة التفتيش وتحققت من بطاقتَي هويتهم.

العديد من الأطفال الذين أجريت معهم مقابلات قالوا إنهم تعرضوا للتعذيب في وضعية مجهدة تُسمى "العقرب" تدوم ساعتين في المرة الواحدة. © 2018 جون هولمس
العديد من الأطفال الذين أجريت معهم مقابلات قالوا إنهم تعرضوا للتعذيب في وضعية مجهدة تُسمى “العقرب” تدوم ساعتين في المرة الواحدة. © 2018 جون هولمس

كنا جميعا في سيارة، فأوقفنا عناصر الأمن وأخرجوهما من السيارة وقالوا لنا إنهما سيعودان إلينا بعد 4 أيام. لا أعرف لماذا رغبوا في استجوابهما، فهما طفلان. لما كنا هناك، شاهدت الشرطة تأخذ 10 أطفال على الأقل من الحافلات التي كانت تنقل أعدادا كبيرة من العائلات النازحة.[34]

قالت إنه رغم تطمينات عناصر الأمن بأن ابنيها سيعودان بعد 4 أيام، إلا أنهما اختفيا منذ اعتقالهما ولم تقدم أي جهة حكومية معلومات عن مصيرهما ومكانهما، رغم طلباتها المتكررة.[35]

العديد من هذه الحالات تشكل اختفاءً قسريا. بموجب القانون الدولي، يُعرّف الاختفاء القسري على أنه اعتقال أو احتجاز من قبل مسؤولين حكوميين أو أعوان تابعين للدولة أو أشخاص أو جماعات تعمل بترخيص أو دعم من الدولة أو بعلمها، يعقبه إنكار للاعتقال أو رفض للكشف عن مصير الشخص أو مكانه. سبق وأن نشرت هيومن رايتس ووتش أبحاثا عن اختفاء مئات الرجال والصبية العراقيين على يد الجيش وقوات الأمن العراقية، في تقرير وثّق 74 حالة لرجال و4 حالات لصبية احتجزوا واختفوا قسرا بين أبريل/نيسان 2014 وأكتوبر/تشرين الأول 2017.[36]

الاستجواب والتعذيب

حاكمت السلطات العراقية آلاف المحتجزين، منهم مئات الأطفال، لصلاتهم المزعومة بداعش.[37] تعتمد التحقيقات بشكل كبير على الاستجوابات، المصحوبة في الغالب بالتعذيب، لانتزاع الاعترافات. ولأن قانون مكافحة الإرهاب العراقي ينص على عقوبات قاسية لمجرد الانتماء إلى داعش، فإن المحاكم العراقية نادرا ما تسعى إلى الحصول على شهادات من الشهود والضحايا لإثبات إدانة المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم بجرائم معينة، مثل القتل أو الاغتصاب.[38]

قال “كريم” (17 عاما) إنه اعتُقل على يد عناصر أمن عراقيين في ربيع 2017 لأن اسمه كان على إحدى “قوائم المطلوبين”. قال إنه احتٌجز مع 60 شخصا آخرين في زنزانة مساحتها حوالي 5×4 أمتار، وإن قوات الأمن كانت تأتي كثيرا إلي الزنزانة وتضرب جميع أفراد المجموعة بالكابلات. كما قال إن من بين السجناء الـ 60، كان هناك حوالي 15 طفلا دون 18 عاما.[39]

قال كريم إنه بالإضافة إلى الضرب الجماعي، استُجوب بشكل فردي. أثناء الاستجوابات، بحسب ما قال، كان أعوان الأمن يطلبون منه الاعتراف بالانضمام إلى داعش. قال إنهم أجبروه على الاستلقاء على ظهره، ورجلاه في الهواء وهما مقيدتان على مستوى الكاحلين، ثم ضربوه على أخمص القدمين. كما قال إن مستجوبيه كان يربطون معصميه خلف ظهره، ثم يعلقونه في الهواء من معصميه لمدة 10 دقائق كل مرة. وبعد توقف يدوم دقيقتين، يعلقونه مجددا لعشر دقائق أخرى، ويعيدون الشيء نفسه 4 مرات.[40] قال إن المحققين قالوا له إن عليه الاعتراف بالانضمام إلى داعش لمدة 3 أيام، وهو ما حصل أخيرا.[41]

 

قال كريم إن المحققين كانوا يرفعون رجليه المقيدتين إلى الهواء ويضربونه على أخمص القدمين. © 2018 جون هولمز
قال كريم إن المحققين كانوا يرفعون رجليه المقيدتين إلى الهواء ويضربونه على أخمص القدمين. © 2018 جون هولمز

قال كريم إنه عُرض على قاض بعد أسبوع تقريبا، لكن المحققين قالوا له قبل ذلك إنه إن أنكر ما اعترف به، فسيتعرض إلى تعذيب أكبر. قال: “كان عناصر الأمن معنا داخل الغرفة، وكنت خائفا من الإنكار، ولذا قلت للقاضي إني التحقت بداعش 3 أيام. كنت خائفا كثيرا ولم أستطع أخباره بالتعذيب”.[42]

قال كريم إنه نُقل بعد 45 يوما مع حوالي 100 سجين آخرين تقريبا إلى سجن في مطار بغداد، فقام أعوان الأمن هناك بتقييد يديه برباط بلاستيكي وضربوه في جميع أنحاء جسمه بأنبوب بلاستيكي. كما قال إنه اعتُقل 7 أشهر ونصف في بغداد: “كنا جميعا نتعرض للتعذيب والضرب كل يوم”. وفي الأخير عُرض على قاض آخر في ديسمبر/كانون الأول 2017 فأمر بإطلاق سراحه بعد 8 أسبوعين، وتمكن من العودة إلى أسرته.[43]

المثول في المحكمة والمحاكمات

بحسب محام عراقي يمثل أطفالا متهمين بالإرهاب، حوكم ما بين 400 و500 طفل في العراق بسبب الانتساب إلى داعش.[44] عقوبات الأطفال المدانين بالإرهاب الواردة في القانون العراقي – عادة من 5 إلى 15 عاما – أطول بكثير من العقوبات الواردة في قانون مكافحة الإرهاب بإقليم كردستان.

بموجب “قانون أصول المحاكمات الجزائية” العراقي، يتعين على الشرطة عرض المشتبه بهم على قاض في غضون 24 ساعة من الاحتجاز.[45] كما يمنح القانون العراقي المحتجزين الحق في اختيار محام، أو في أن تعين لهم الدولة محاميا، يكون حاضرا طيلة فترة التحقيق. لكن أبحاثنا تشير إلى أن السلطات، عمليا، غالبا ما لا تعرض المشتبه بانتمائهم إلى داعش على قاض في غضون 24 ساعة، وأن المشتبه بهم غالبا ما لا يكون لديهم محام يحضر معهم أثناء التحقيقات وفي المحكمة.[46]

قال العديد من القضاة الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش إنهم يعتمدون بشكل أساسي على الاعترافات في محاكمة المشتبه بهم، وكذلك على الشهادات المكتوبة من الأصدقاء أو الجيران الذين يؤكدون مزاعم الانضمام إلى داعش.[47] هيومن رايتس ووتش قلقة جدا من أنّ القضاة الذين يشرفون على محاكمات في المناطق الخاضعة لبغداد كثيرا ما يتجاهلون الادعاءات بأن الاعترافات حصلت تحت التعذيب أو الإكراه. في يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2018، راقبت هيومن رايتس ووتش 18 محاكمة في بغداد. وفي 16 منها، زعم المتهمون أنهم تعرضوا للتعذيب، بما في ذلك لانتزاع اعترافات. وفي بعض الحالات، طلب القضاة من المتهمين في قاعة المحكمة الكشف عن علامات التعذيب، لكن لم يتخذوا أي خطوة أخرى بشأن مزاعم المتهمين بأن الاعترافات انتُزعت تحت التعذيب.[48]

الاحتجاز

بالاستناد إلى معلومات من مصادر متعدد، تقدّر هيومن رايتس ووتش أن السلطات العراقية وسلطات إقليم كردسان كانت تعتقل بحلول نهاية 2018 نحو 1,500 طفل يشتبه بانتمائهم إلى داعش.[49] من بين 1,036 طفل محتجزين في العراق بتهم تتعلق بالأمن القومي في 2017، كان 80 في المئة تقريبا محتجزين لدى السلطات العراقية الاتحادية، والبقية في إقليم كردستان العراق.[50] في 2017، زارت هيومن رايتس ووتش 3 مراكز احتجاز في المناطق الخاضعة لبغداد كانت القوات الاتحادية تحتجز فيها أطفالا. كان 2 منها في بلدة القيارة، 60 كيلومتر جنوب الموصل، وثالث في مركز محلي للشرطة في حمام العليل، 30 كيلومتر جنوب الموصل. لم يُسمح لـ هيومن رايتس ووتش بمقابلة المحتجزين، لكن بحسب عاملين في السجن، فإن 80 في المئة على الأقل من المحتجزين في القيارة كانوا دون 18 عاما، وأصغرهم لا يتجاوز 13.[51] كما لاحظت هيومن رايتس ووتش وجود محتجزين أطفال في مركز شرطة حمام العليل.[52]

لاحظت هيومن رايتس ووتش أن المنشآت الثلاث كانت مكتظة، ولا أحد من المحتجزين كان يستطيع الاستلقاء والنوم. زارت هيومن رايتس ووتش إحدى الزنزانات بمساحة تُقدر بـ 4×6 أمتار، كانت تأوي 114 محتجزا منذ 4 أشهر وبها مرحاض واحد. كانت النوافذ بالحجارة، والحرارة شديدة، والروائح بداخلها كريهة. وبحسب عاملين في السجون، توفي على الأقل 4 أشخاص في حالات ارتبطت بانعدام الرعاية الصحية والمعايير الصحية اللازمة. قالوا إنه رغم الطلبات المتكررة من السلطات في بغداد، لم تقدم الحكومة أي دعم طبي لمراكز الاحتجاز طوال أشهر.[53]

في سجن القيارة، قال موظفون إنهم كانوا قد شرعوا حديثا في احتجاز الأطفال في مبنى منفصل عن المحتجزين البالغين. كما قالوا إن الأطفال كانوا ممنوعين من الخروج من الزنزانة ولا يحظون بأي فرص للقيام بأنشطة أو ممارسة الرياضة أو التعليم أو الاتصال بأسرهم. الاستثناء الوحيد كان لعدد صغير من الأطفال الذين كانوا يعملون دون مقابل لدى موظفي السجن فيوزعون الأكل والماء، بما فيه على المحتجزين البالغين.

أما في سجن حمام العليل، فكان الأطفال محتجزين مع البالغين، في انتهاك للمعايير الدولية. قال موظفون إنهم لم يكونوا يعرفون عدد المحتجزين الذين هم دون 18 عاما، لكنهم قالوا إن “عددهم كبير”. قالوا إن الأطفال لم تكن لديهم أي فرص لممارسة الرياضة أو التعليم أو الاتصال بعائلاتهم. لاحظت هيومن رايتس ووتش الاكتظاظ والظروف غير الصحية، بما في ذلك المغاسل المسدودة بالماء، وغياب أي أثاث أو أفرشة أو إمكانية الاستحمام.[54]

الحكومة العراقية لديها أنظمة خاصة بعدالة الأحداث، لكن ليس جميع الأطفال المشتبهين بالانتماء إلى داعش يُحتجزون في منشآت خاصة بالأحداث أثناء التحقيق والمحاكمة. قال محام تعامل مع عشرات الأطفال المتهمين بالإرهاب لـ هيومن رايتس ووتش إن الكثير من الأطفال يحتجزون في منشآت خاصة بمكافحة الإرهاب في بغداد لأشهر، ولا يُنقلون إلى منشآت الأحداث.[55]

 

IV. معاملة إقليم كردستان للأطفال المشتبه بانتمائهم إلى داعش

 

اعتقالات على يد قوات الإقليم

اعتقلت حكومة إقليم كردستان مئات الصبية بسبب ارتباطاتهم المزعومة بداعش عند نقاط التفتيش أثناء فرارهم من[56] فرّ “مالك” من العمليات العسكرية في الحويجة أواخر 2017 لما كان عمره 17 عاما. قال إن السلطات في احدى نقاط التفتيش التابعة لحكومة الإقليم سألت أفراد أسرته إن كانوا مع داعش، لكن “شخصا آخر في المجموعة قال إني داعشي، ولا أعرف من هو”. اعتُقل مالك مع 2 من أعمامه، وقال إن مشاركته الوحيدة مع داعش كانت حضوره دروس قرآنية دامت 15 يوما.[57]

قال “سامي” (17 عاما) إن عناصر من الأسايش اعتقلوه عند نقطة تفتيش في سبتمبر/أيلول 2018 لما كان في طريقه إلى أربيل بحثا عن عمل. قال: “قالوا إن اسمي كان على قائمة للمطلوبين لأنني كنت على صلة بداعش”. مثل مالك، قال إنه شارك فقط في دروس دينية نظمها داعش لمدة 15 يوما في 2015، ولم يشارك في أي تدريبات على الأسلحة وليست له أي علاقة أخرى بداعش”.[58]

فرّ “طاهر” من قريته في يونيو/حزيران 2016 وبقي في مخيم للنازحين لأكثر من سنة حتى اعتقله عناصر من الأسايش وهو في سن 16. قال: “شخص ما في المخيم شكاني، هو صديق قديم بيننا مشكلة منذ فترة طويلة. كان بعض أفراد عائلتي من داعش، لكن أنا ووالدي وشقيقي لم نكن يوما مع داعش”.[59]

قال “فواز” (16 عاما) إن والده كان يمتلك عدة متاجر وكان ثريا، ما جعل باقي القرويين لا يحبونهم. كما قال إنه لم ينضم إلى داعش، لكن أحد أبناء عمه التحق بالتنظيم وقاتل في صفوفه الأمامية. علم بعد اعتقاله أن أشخاصا من القرية بلغوا عنه وقالوا إنه انضم إلى داعش. قال: “كان الناس يرغبون في الانتقام من عائلتي. يتعين على الحكومة الاعتماد على مصادر صحيحة عند اعتقال المشتبه بانتمائهم إلى داعش. عندها ستعتقل أعضاء داعش دون سواهم”.[60]

الاستجواب والتعذيب

من أصل 29 صبيا وشابا أجرينا معهم مقابلات، قال 19 إن عناصر الأسايش ضربوهم بالأنابيب البلاستيكية والكابلات الكهربائية والقضبان أثناء الاستجواب. العديد منهم قالوا إنهم ضُربوا في كامل أنحاء الجسم، وأحيانا من قبل عدة عناصر في وقت واحد. كما قال 3 صبية إنهم تعرضوا للصعق بالكهرباء، وقال آخرون إنهم تعرضوا للتقييد في وضعية مجهدة تُسمى “العقرب”، يكون فيها أحد الذراعين ممدودا إلى خلف الكتف والآخر مسحوبا من وراء الظهر، وكلاهما مربوط بالآخر عند المعصمين. قال العديد من الصبية إن التعذيب استمر لعدة أيام متتالية، وانتهى فقط عندما اعترفوا.

جميع الصبية الذين قابلناهم باستثناء واحد قالوا إنهم انتهوا إلى الاعتراف بارتباطهم بداعش أثناء الاستجواب، بغض النظر عما إذا كان ذلك صحيحا. أغلبهم قالوا إنهم اعتقدوا أنه لا خيار أمامهم سوى الاعتراف لوضع حد للتعذيب، والكثير منهم قالوا إنهم فعلوا ذلك كذبا. قال “طاهر” (17 عاما) إن المحققين قالوا له: “عليك أن تعترف بأنك كنت مع داعش. حتى إن لم تفعل، فعليك بالاعتراف”.[61] قال “لقمان” (17 عاما)، الذي اعتُقل في أغسطس/آب 2017: “لازم كلّكم تعترفون، حتى بيوم واحد [مع داعش]. يقولون لك ‘مهما كان من أمر، ستعترف'”.[62] قال “فواز” (16 عاما): “قلت في اعترافي إنني التحقت بداعش 16 يوما، لكني في الحقيقة لم ألتحق به أبدا. قلت 16 يوما لوقف التعذيب”.[63]

أغلب الصبية قالوا إن المحققين لقنوهم ما يتعين عليهم الاعتراف به، وغالبا ما أمروهم بالاعتراف بفترات محددة مع داعش. اعتُقل “خلف” (14 عاما) في نقطة تفتيش مع والده في أكتوبر/تشرين الأول 2017 لما كان عمره 13 عاما. قال إن بعد اعتقاله بستة أيام، استجوبه عناصر الأسايش وعذبوه. قال: “كانوا يضربونني على كامل جسدي بالأنابيب البلاستيكية. في البداية قالوا لي إن عليّ الاعتراف بأنني كنت مع داعش، فوافقت. ثم قالوا لي إنه يجب أن أعترف بأني عملت لصالح داعش 3 أشهر. قلت لهم إني لم أنتم إلى داعش، لكنهم قالوا ‘لا، عليك الاعتراف بذلك'”. قال إنه وافق على ذلك بعد ساعتين من الاستجواب والتعذيب.[64]

قال “شمال” (16 عاما) عن الاستجواب:

أعتقد أنه كان يوجد 3 محققين، ولكني لست متأكدا لأني كنت معصوب العينين. كانوا يرددون ‘أنت داعشي’، وضربوني عديد المرات بقضبان طويلة. وفي اليوم التالي، كرروا نفس الشيء، فاعترفت. طلبوا مني أن أقول إنني بقيت مع داعش 6 أشهر، فرفضت واعترفت بشهرين فقط.[65]

قال “حسين” إن الأسايش استجوبوه وعذبوه في سبتمبر/أيلول 2017 لما كان عمره 14 عاما:

ضربوني على كامل جسمي بخرطوم مياه بلاستيكي، ثم قيّدوا ذراعيّ في وضعية العقرب [يكون فيهاد أحد الذراعين ممدودا إلى خلف الكتف والآخر مسحوبا من وراء الظهر، وكلاهما مشدود مربوط إلى بالآخر على مستوى المعصمين] لساعتين. سألوني عن داعش، وقالوا ‘عليك الاعتراف بأنك داعشي’. أجبروني على الاعتراف بالعمل مع داعش لمدة شهر. كما قالوا إن عليّ الاعتراف بأنني استخدمت رشاشات كلاشنكوف، إم 16+ وBKC.[66]

قال حسين إن كل ذلك لم يكن صحيحا، لكن المحققين قالوا إنهم لن يكفوا عن تعذيبه وصعقه بكابل كهربائي ما لم يعترف.[67]

قال سمير (17 عاما):

كان هناك 3 ضباط. قيّدوا يديّ خلف ظهري، واحدة من أعلى وأخرى من أسفل. ضربوني بعصى وصعقوني بالكهرباء بين 5 و10 مرات، ووضعوا الصواعق على كتفي الأيسر وعلى معدتي. أثناء عملية الصعق، كانوا يضربونني بقضيب. فعلوا ذلك 3 أيام متتالية. كنت أبقى في الغرفة لساعات، وهم يدخلون ويخرجون ويستريحون. في اليوم الثالث، اعترفت. طلبوا مني أن أعترف بشهرين مع داعش، فعلت، لكنها كانت كذبة. لم أكن يوما مع داعش.[68]

ذكر “طاهر” أن عناصر الأسايش صعقوه بالكهرباء أثناء استجوابه أواخر 2017. قال إنه خضع للاستجواب والتعذيب 3 أيام.

كانت يداي مقيّدتين، وكان هناك 6 أو 7 عناصر في الغرفة. كانوا كلهم يضربونني. ضربوا ساقيّ وذراعيّ. كانوا كل يوم يصعقونني 5 مرات متتالية على ذراعيّ وصدري وأعلى الرجلين. وفي اليوم الثالث، اعترفت [بالعمل مع داعش] 4 أيام. قالوا لي: “عليك أن تذكر فترة أطول”، لكني رفضت.[69]

قال “محمود” (17 عاما) إن رجلا كان يحمل كابلا طلب منه الاعتراف في يوم الاستجواب الأول. “رفضت، فبدأ يضربني بالكابل”. قال إن الرجل دفعه نحو الطاولة فكسرها، ثم أجبره على الاستلقاء على ظهره أرضا، ووضع له سلاسل في كاحليه، ورفع له رجليه، وبدأ يضربه على أخمص قدميه. بحسب محمود، كرر المحققون نفس المعاملة معه بعد يومين. وقال إنهم أمروه بالاعتراف بالانضمام إلى داعش لمدة عامين، وإنه قاتل في القيارة والموصل، وقتل ضابطا من “جهاز مكافحة الإرهاب” “. قال إنه اعترف في النهاية، لكن “في الحقيقة، لم أذهب أبدا إلى القيارة. ظلوا يدفعونني إلى الاعتراف بأني قتلت ضابطا من الأسايش، لكني رفضت”.[70]

الاعتراف بالانتماء إلى داعش لم يمنع حصول مزيد من التعذيب. قال “جبار” إنه اعترف فورا للأسايش لما سألوه أول مرة عن صلاته بداعش بأنه انضم إلى التنظيم وعمل سائقا لدى التنظيم لمدة 3 أشهر. لكنه قال إن عناصر الأسايش ضربوه على ظهره بأنبوب بلاستيكي لمدة 40 دقيقة، ثم قيّدوه في وضعية العقرب لمدة ساعة، وسألوه عن أسماء قادة داعش وأصدقائه الذين انضموا إلى داعش. قال جبار إنه لا يعرف أسماء أي قادة، لكنه أعطاهم أسماء أصدقائه. قال إنه بعد الاستجواب شعر بألم شديد إلى درجة أنه لم يستطع الاستلقاء على ظهره لمدة أسبوع.[71]

قال العديد من الصبية إنهم لم يتعرضوا للضرب لكنهم واجهوا تهديدات بالتعذيب. على سبيل المثال، قال “عزيز” إن المحققين قالوا له “إن لم تقل الحقيقة، سننادي [الرجال] وسيضربونك ويكسرون عظامك”.[72] قال عدد قليل من الأطفال إنهم بعد اعتقالهم اعترفوا بالانتماء إلى داعش مباشرة، ولم يتعرضوا للتعذيب.[73]

قالت حكومة إقليم كردستان إنّ “المعاملة غير الملائمة تجاه المحتجزين بالنيابة عن الأسايش أو أي أجهزة أمنية أخرى غير مسموح بها وغير مقبولة في مطلق الأحوال”[74] وأنه في حال حدوث معاملة مماثلة، يتم اتخاذ تدابير فورية بما في ذلك معاقبة المرتكبين.[75] لم تقدم حكومة إقليم كردستان أي معلومات بخصوص تحقيقات أو إجراءات تأديبية تم اتخاذها بخصوص تعذيب أو سوء معاملة أطفال محتجزين لديها.

الاتصال بمحام

قالت حكومة إقليم كردستان أنها تزوّد المحتجزين بمحام وأن إصلاحية النساء والأطفال في أربيل عملت مع المجتمع المدني لتوفير محامين للأطفال المحتجزين المتهمين بالإرهاب.[76] غير أنه من بين 29 صبيا قابلتهم هيومن رايتس ووتش في إقليم كردستان، 5 فقط حصلوا على ما يبدو على تمثيل قانوني. قال بعضهم إنهم لا يعرفون إن كان لهم محاميا، وأغلبهم لم يكونوا على علم بحقهم في التمثيل القانوني. بعضهم قالوا إن موظفي الإصلاحية أخبروهم بأن المحامين متاحون فقط في حال كانوا مستعدين لدفع المال لهم. أحد الصبية عبر عن خوفه من أن ينال عقوبة أطول إذا طالب بمحام.

صبيان فقط ذكرا أنهما اتصلا بمحام خارج جلسات المحاكمة. قال “حسين” (15 عاما) إن محاميا جاء إلى الاصلاحية وتحدث إليه قبل محاكمته في يوليو/تموز 2018، وسأله عن خلفيته وما إذا كانت له أي ارتباطات بداعش. قال إن المحامي طلب من القاضي أثناء المحكمة أن يأخذ بعين الاعتبار صغر سن الصبي وأن يحكم عليه بأقل من 6 أشهر.[77]

قال 3 صبية إن شخصا يعتقدون أنه محاميا قابلوه للمرة الأولى خلال محاكمتهم. وحتى حينها، قالوا إنه لم يكن لهم أي تواصل مع المحامي، وكان هذا الأخير يتحدث إلى القاضي بالكردية، وهي لغة أغلبهم لا يفهمونها. حوكم “سمير” في يوليو/تموز 2018 وقال: “ربما كانت هناك محامية خاصة بي، لست متأكدا. أثناء جلستي، كانت تتحدث إلى القضاة بالكردية. لكنها لم تتحدث إلي ولم ألتقيها لا قبل المحاكمة ولا بعدها”.[78]

قال العديد الصبية في الإصلاحية إن الحراس أطلعوهم على قوائم المحامين المتاحين مقابل أتعاب. قال “سامي”: “هنا في السجن، يأتي الموظفون بقوائم المحامين، ويخبروننا كم سيكلفنا الحصول على أحدهم. لا تستطيع توكيل محام مجانا”. لم يصدر حكم في حق سامي بعد، وقال “أنا خائف جدا من المطالبة بمحام عندما أقف أمام القاضي. قد يعاقبني بحكم أشد”.[79]

المثول في المحكمة والمحاكمات

يمثل المشتبهون بالإرهاب أمام قاضي تحقيق، عادة أثناء احتجازهم لدى الأسايش، وقد يأمر بنقلهم إلى الإصلاحية للاحتجاز على ذمة المحاكمة أما هيئة مؤلفة من 3 قضاة. لم يقل أي من الصبية الذين قابلناهم إنهم مثلوا امام قاض في غضون 24 ساعة من تاريخ احتجازهم، كما ينص على ذلك “قانون العقوبات” العراقي. أغلبهم قالوا إنهم مثلوا أمام قاض بعد عدة أيام من اعتقالهم.

أغلب الصبية قالوا إن مثولهم أمام قضاة التحقيق والمحاكمة لم يدوم أكثر من 5 أو 10 دقائق. قالوا إن القاضي يقرأ عادة اعترافاتهم ويسألهم إن كانوا انضموا إلى داعش. ورغم أن القضاة تحدثوا العربية مع الصبية، إلا أنهم كانوا يتحدثون بشكل عام الكردية مع الآخرين في قاعة المحكمة وفيما بينهم. قال “سلام” (17 عاما): “جميع الأوراق كانت بالكردية، ولم يكن هناك من يترجمها، ولذلك لم أفهم أي شيء مما ذُكر”.[80]

قال العديد من الصبية إنهم أخبروا القاضي الذي ينظر في قضيتهم بأنهم اعترفوا تحت التعذيب، وقال كل منهم إن القاضي تجاهل هذه المزاعم. قال “شمال” إنه لما أخبر قاضي التحقيق بأنه اعترف تحت التعذيب، “أومأ هذا الأخير رأسه وطلب مني مغادرة قاعة المحكمة. لم يطلب فحصا طبيا أو أي شيء من هذا القبيل”‘. وبعد شهرين، تمت محاكمة “شمال” أمام هيئة مؤلفة من 3 قضاة. لم يكن له محاميا، ولكنه أخبرهم مجددا بأنه تعرض للتعذيب. قال: “تجاهلوا كلامي”، وحكموا عليه بالسجن 6 أشهر.[81] بحسب حكومة إقليم كردستان، في حال تعرّض مشتبه به للتعذيب خلال الاستجواب أو الاحتجاز، عليه إبلاغ قاضي التحقيق وينبغي للقاضي عندئذ التحقيق في الأمر.[82]

قال الصبية الذين حوكموا في إقليم كردستان العراق إن المحاكمات لم يحضرها شهود، وإنهم لم يكونوا على علم بالأدلة المستخدمة ضدهم باستثناء اعترافاتهم. “مالك”، الذي قال إنه حضر دروسا في الشريعة الإسلامية لمدة 15 يوما وأنكر أي صلات أخرى له بداعش، قال: “إذا اشتكى ضدك شخص ما، فعليهم مواجهتك بذلك الشخص لتعلم ما إذا كان ما قاله صحيحا”.[83]

رغم أن قوانين مكافحة الارهاب في إقليم كردستان العراق تسمح بفرض عقوبة السجن المؤبد على جرائم الارهاب، إلا أن الأطفال المتهمين بالارتباط بداعش في محاكم الإقليم نالوا عقوبات أخف بكثير من تلك التي صدرت في حق الأطفال في المناطق التابعة لبغداد. أغلب الأطفال الذين تمت إدانتهم ممن قابلتهم هيومن رايتس ووتش قالوا إن عقوباتهم تراوحت بين 6 و9 أشهر. قالت حكومة إقليم كردستان إن العقوبات تراوحت بين شهر و5 سنوات.[84]

الاحتجاز

بحسب الأمم المتحدة، فإن عدد الأطفال المحتجزين في كردستان العراق بتهم تتعلق بالأمن القومي في 2017 بلغ 345 طفلا، غالبا لانتماء مزعوم إلى داعش.[85] أخبرت حكومة كردستان العراق هيومن رايتس ووتش أنها احتجزت في النصف الأول من 2018 ما لا يقل عن 121 طفلا كمشتبه في انتمائهم إلى داعش.[86] بحسب الأطفال الذين قابلناهم، فإن الأسايش كان تأخذ الأطفال عادة بعد اعتقالهم إلى “مديرية الأمن العام” (المعروفة أيضا بـ “أسايش كشتي”) أو مواقع أخرى تابعة للأسايش، حيث يتم استجوابهم، ومن ثم يمثلون أمام قاضي تحقيق. إذا أيّد القاضي التهم، تنقلهم الأسايش بعد ذلك إلى منشأة احتجاز في انتظار المحاكمة.

أثناء زيارة هيومن رايتس ووتش في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، كان هناك 63 صبيا محتجزين في إصلاحية النساء والأطفال في أربيل بسبب صلات مزعومة بداعش، منهم 43 تمت إدانتهم و20 في انتظار المحاكمة.[87] حتى فبراير/شباط 2019، ارتفع هذا العدد إلى 84، بما في ذلك 20 فتاة. [88] في الإصلاحية، يُفصل الأطفال المتهمون بالإرهاب عن بقية المحتجزين. يتقاسم ما بين 12 و20 صبيا غرفة واسعة، مع أسرّة بطابقين موزعة على جوانبها. قال الأطفال إن المعاملة والطعام جيدان بشكل عام، لكن هيومن رايتس ووتش قلقة للغاية بشأن فترات الحبس المطوّلة، نقص التعليم وإعادة التأهيل، انتهاكات بعض الحراس، الرعاية الطبية غير الكافية، وانعدام الاتصال بالعائلة.

الحبس المطوّل

قال الأطفال الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش في الإصلاحية في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 إن الحراس يحبسونهم في غرفهم لفترات تصل إلى 48 ساعة متواصلة، وإن ليس لهم ما يفعلونه سوى التحدث إلى بعضهم البعض. بحسب المحتجزين وموظفي الإصلاحية، يُسمح للصبية بالخروج ولعب كرة القدم لمدة ساعة كل يومين. قال “حسين” (15 عاما): “إذا كان الحارس لطيفا، فسيسمح لنا بالخروج والتنقل من غرفة إلى أخرى بضع مرات في اليوم”.[89] قال “علي” (14 عاما): “أبقى في سريري، لا أتحدث إلى أيّ كان، أفكر وأحيانا أبكي. هناك تلفزيون في الغرفة، لكنه لا يعمل. لا توجد كتب ولا ألعاب… أكتفي بالنظر إلى الحائط، وأفتقد عائلتي”.

نقص التعليم والترفيه وإعادة الادماج

لا يحصل الأطفال المحتجزين للاشتباه بارتباطهم بداعش على تعليم باللغة العربية في الإصلاحية. التعليم باللغة الكردية متوفر، ولكن أغلب الصبية المتهمين بالانتماء إلى داعش لا يتحدثون الكردية. قال مدير الإصلاحية لـ هيومن رايتس ووتش إن وزارة التربية في حكومة إقليم كردستان لم تسمح للأطفال بتلقي منهاج عربي.[90] كما أخبر ممثل عن حكومة إقليم كردستان هيومن رايتس ووتش أن اليونيسف كانت تُشرف على مبادرة نسقتها حكومة الإقليم مع وزارتي التربية والعمل العراقيتين لتزويد المحتجزين بتعليم بالعربية.[91]

“سعدون” (17 عاما)، الذي مضى على احتجازه 6 أسابيع، قال: “أرغب في الذهاب إلى المدرسة وتطوير أفكاري، لكنهم لا يسمحون لنا بذلك”. أوضح أيضا أن موظفي الإصلاحية سمحوا له بزيارة المكتبة مرة واحدة.[92]

“قال “أيمن” (16 عاما)، الذي مضى على وجوده في الإصلاحية شهرين ونصف، إنه شارك خلال هذه الفترة في ورشة عمل نفسية واجتماعية، ولم يقم بأي نشاط آخر باستثناء لعب كرة القدم.[93] كما ذكر صبيان أنهما شاركا في دروس للرسم،[94] وقال واحد إنه كان يُسمح له بزيارة المكتبة كل أسبوع أو أسبوعين للحصول على كتاب.[95]

قال العديد من الصبية إن النشاط الوحيد الذي مارسوه إلى جانب كرة القدم، كان اللعب على جهاز “بلاي ستيشن” في غرفتهم. قالوا إنهم جمعوا المال من عائلاتهم، وساهم كلّ منهم بـ 10,000 دينار (8.40 دولار أمريكي)، وأن أحد الحراس اشترى لهم اللعبة.[96]

قال موظفو الإصلاحية لـ هيومن رايتس ووتش إن المحتجزين كانوا يحضرون دروس موسيقى وورش عمل عن تصليح المكيفات والهواتف الخلوية والتدرب على الحلاقة،[97] لكن لا أحد من الأطفال الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش قال إنه شارك في أي من هذه الأنشطة. ولما سُئل الموظف عن سبب السماح للمحتجزين المدانين دون سواهم بالمشاركة في هذه البرامج، قال إن المعايير العالمية لا تسمح بمشاركة المحتجزين على ذمة المحاكمة فيها.[98] لكن في الواقع، تفرض المعايير الدولية لعدالة الأحداث القيام بأنشطة إعادة تأهيل مناسبة لجميع الأطفال المحرومين من

حريتهم.[99]

نقص الرعاية الطبية والنفسية

بحسب منسّق التوصيات الدولية في حكومة إقليم كردستان، يحظى المحتجزون بوصول مستمر إلى الموظفين الطبيين في منشآت الاحتجاز والمستشفيات عند الحاجة.[100] لكن العديد من الصبية تحدثوا عن نقص الرعاية الطبية، وقالوا إنهم حُرموا من الدواء أو العلاج. قال أحدهم إن عائلته جاءت إلى الإصلاحية 3 مرات لتعطيه دواء يحتاجه لمشكلة صحية يعاني منها، لكن الحراس منعوهم من الاتصال به ورفضوا الدواء.[101] كما قال أحد الصبية إنه كانت لديه ميول انتحارية وكانت تظهر عليه علامات إيذاء النفس، وتحدث آخر عن مشاكل نفسية، لكن كليهما لم يحصلا على مساعدة نفسية مختصة.

قال العديد من الصبية إنهم عُرضوا على طبيب في الإصلاحية، لكنهم لم يحصلوا على العلاج اللازم. قال “طاهر” (17 عاما): “كلما ذهبنا إلى الطبيب الموجود هنا، يقول إننا نكذب ولسنا مرضى، لذلك لا يساعدنا”.[102] كما كذّب موظف في الإصلاحية مزاعم الصبية بالمرض، وقال: “هم يكذبون في ما يقولون. الطبيب يراهم ويمكنه أن يؤكد أنهم يكذبون”.[103]

قال “نوار” إنه يعاني من مشاكل نفسية منذ أن كان عمره 6 أعوام. قال إنه طلب مساعدة من الموظفين، فوعدوه بأنهم سيأخذونه إلى المستشفى، لكنهم لم يفعلوا، قائلين إن الطبيب غير موجود.[104]

أحد الأطفال كان لديه ميول واضحة للانتحار. أمضى “سعدون” (17 عاما)، 6 أسابيع تقريبا في الاحتجاز، وحصل خلال تلك الفترة على زيارة واحدة لم تدم سوى 5 دقائق، من جده الذي ربّاه. قال إنه عمد بعد زيارة جده إلى جرح نفسه: “بسبب التفكير به، كنت أرى كوابيس وهو يطلب مني جرح نفسي، ففعلت ذلك في العديد من الأماكن”. كما قال إنه لم يذهب إلى طبيب لأنه خاف من العقاب. كان ممنوعا من المكالمات الهاتفية، ولم يكن يعلم متى ستتاح له رؤية جده مجددا. قال: “سأقتل نفسي إن لم نتمكن من رؤية بعضنا البعض في الأشهر القادمة”، ثم أضاف في وقت لاحق: “إن بقيت هنا 3 أشهر أخرى، سأقتل نفسي”.[105]

الاتصال بالعائلة

قال جميع الصبية إنهم مُنعوا من الاتصال بعائلاتهم أثناء الاحتجاز لدى الأسايش. ولكن بعد نقلهم إلى الإصلاحية، يسُمح لهم بالزيارات العائلية قبل المحاكمة، لكن أغلبهم قالوا إنهم مُنعوا من المكالمات الهاتفية إلى ما بعد الحُكم. بالنسبة إلى بعض المحتجزين، فإن عدم قدرتهم على إجراء مكالمات هاتفية كانت تعني أن عائلاتهم لم تكن تعرف مكانهم. مضى على احتجاز أحد الصبية عامين تقريبا دون أن يتواصل مع عائلته.

بحسب موظفين في الإصلاحية، الأسايش هم الذي يحددون ما إذا كان مسموحا للشخص بتلقي زيارات أو مكالمات.[106]ذكر منسق التوصيات الدولية في حكومة إقليم كردستان في رسالة إلى هيومن رايتس ووتش أنه يتم إعلام عائلات المحتجزين فورا باحتجاز أحد أقاربهم وسبب ذلك. قال إنه يُسمح للمحتجزين بزيارات من أقاربهم، وبالمكالمات الهاتفية “عند الضرورة”، بحضور عنصر أمني.[107] لا تعلم هيومن رايتس ووتش بأي حالة منذ 2016 أعلمت فيها سلطات إقليم كردستان أقارب أي شخص يُشتبه في انتمائه إلى داعش بأنه محتجز لديها.

وصل “صلاح الدين” (17 عاما) إلى الإصلاحية في نوفمبر/تشرين الثاني 2017. قال إنه طلب من الموظفين الاتصال بعائلته، فقالوا له إنه سيُسمح له بإجراء مكالمات فقط بعد المحاكمة. انتظر صلاح الدين 9 أشهر – حتى أغسطس/آب 2018 – حتى حُوكم وسُمح له بإجراء مكالمات.[108] قال “محمود” لـ هيومن رايتس ووتش إنه احتُجز لعامين تقريبا دون أن يتصل بعائلته. قال: “لا يُسمح لنا بالاتصال بعائلاتنا. إن كنت أستطيع ذلك، سأطلب منهم المال وتوكيل محامي. لا يعلمون أنني هنا”.[109] قال “عزيز” (17 عاما): “مضى على وجودي هنا شهر ونصف، وحتى الآن لم يسمحوا لي بالاتصال بعائلتي. ولما أطلب من الحراس، يقولون لي ‘أنت محتجز لقضية إرهاب، لا تستطيع رؤية عائلتك'”.[110]

قال الصبية إنه بعد أن يُسمح لهم بإجراء مكالمات، يصير لهم الحق في مكالمتين في الأسبوع، لكن بمقابل.[111] قال أغلبهم إن عائلاتهم أعطتهم المال لإجراء المكالمات، لكن بعضهم لم يستطيعوا توفير المال. قال صلاح الدين، المحتجز منذ عام، إنه لا يستطيع الاتصال بعائلته، وأضاف “ليس معي مال”.[112]

حصل “نسيم” (17 عاما) على عدة زيارات عائلية، لكن الفراق كان صعبا للغاية. قال: “لو سمحوا لي برؤية عائلتي يوما واحدا، سأدفع 100 سنة من حياتي. أشتاق إلى عائلتي كثيرا، وأنا أفكر فيهم كل يوم، كل ثانية”.[113]

الضرب والإساءات اللفظية والتهديد بالقتل من قبل الحراس

قال بعض الأطفال إن مسؤولي الإصلاحية يعاملونهم معاملة جيدة. لكن 14 صبيا ممن قابلناهم قالوا إنهم تعرضوا للضرب على يد حراس الإصلاحية بسبب ما اعتبروه سوء سلوك، أو شاهدوا الحراس يضربون صبية آخرين. بعض الصبية حددوا 3 أو 4 حراس بعينهم شاركوا في الإساءات البدنية واللفظية، وقدموا أسماءهم وأمثلة عن سلوكهم العنيف. الأطفال الذين أفادوا عن تعرضهم للضرب قالوا إن الحراس أخذوهم من غرفهم وساروا بهم إلى الخارج، بعيدا عن كاميرات المراقبة، وضربوهم بأنابيب بلاستيكية وبأيديهم أو أحذيتهم.

قال “محمود” (17 عاما) إن حراس الإصلاحية ضربوه مرات متعددة. في أكتوبر/تشرين الأول 2018، تعارك أثناء الغداء مع أحد أصدقائه، فأخذه الحراس إلى الخارج وصفعوه وضربوه على يديه بخرطوم بلاستيكي. كما قال إن أحد الحراس أخذه مرة أخرى إلى الخارج في اليوم التالي، وضربه وركله وصفعه وقيّد يديه فوق رأسه، ثم خلع الحارس حذاءه وضربه به على وجهه.[114]

قال “محمد” (17 عاما): “بعض الموظفين هنا يضربون الأطفال بالأحذية والعصي وأنابيب المياه. هناك كاميرات في الزنزانات، وإذا تحدثت في أوقات لا يجب أن تتحدث فيها، أو لم تنم، يضربونك”.[115] قال “شمال” إن في اليوم السابق لمقابلته هيومن رايتس ووتش، ضربه الحراس بعصى أسفل رجليه، وأضاف: “قالوا إنني لم أتصرف باحترام لما أخذت بعض الملابس التي جلبوها لنا”.[116]

تحدث “سامي” عن حارس محدد يضرب المحتجزين. قال إن قبل زيارة هيومن رايتس ووتش بثمانية أيام، بدأ الحارس “يضربني لأنني لم أفعل ما طلبه مني. ضربني على رجلي وخدي بيديه، وأحيانا بعصى على قدميّ. كان يأتي إلى الغرفة، يأخذنا إلى الخارج، ويضربنا”.[117]

قال العديد من الصبية أيضا إن الحراس يصرخون عليهم ويلعنونهم. قال “نوار”: “قال لنا أحد الحراس ‘إن كان الأمر بيدي، لقتلتكم جميعا'”.[118] قال “سعدون” إن أحد الحراس كان يصف الصبية بـ “أبناء الكواد”، ويقول “سأخنقكم أيها الفتيان حتى الموت”.[119] قال إن الحارس قيّد أيادي الصبية الذين معه في الزنزانة، وتركهم في الممر 3 ساعات.

قال مسؤول كبير في الإصلاحية إنه يُمنع على الحراس معاقبة المحتجزين بدنيا، وإنه لم يسمع بأي من هذه الحوادث في السنتين الماضيتين. قال إن التدابير التأديبية المسموح بها تشمل منع المحتجزين من امتيازات المكالمات الهاتفية والزيارات وكرة القدم.[120] ذكر منسق التوصيات الدولية في حكومة إقليم كردستان في رسالته إلى هيومن رايتس ووتش أن جميع أشكال التعذيب والمعاملة السيئة محظورة، وسوء المعاملة نادر في منشآت الاحتجاز التابعة لحكومة إقليم كردستان. كما قال إنه في حال وجود ادعاءات، ستفتح الحكومة تحقيقات فورية وستحاسب المرتكبين.[121] غير أنه لم يرد على سؤال هيومن رايتس ووتش حول عدد المزاعم التي وردت عليهم، وعدد الحالات التي تم التحقيق فيها، وما إذا تمت معاقبة أي عناصر بسبب المعاملة السيئة.[122]

الاحتجاز بعد صدور الحكم

بحسب موظفي الإصلاحية والأطفال الذين قابلناهم، فإن الأطفال المدانين بتهم الإرهاب قد يظلون محتجزين في الإصلاحية رغم انقضاء عقوباتهم. على سبيل المثال، كان “سلام” محتجزا في الإصلاحية لأكثر من عامين عندما قابلته هيومن رايتس ووتش، رغم أن عقوبته كانت 6 أشهر. احتجزته الأسايش عاما و7 أشهر قبل أن يُنقل إلى الإصلاحية في مايو/أيار 2018، ثم حُكم عليه بالسجن 6 أشهر في أغسطس/آب 2018. قال: “لا أعرف لماذا لا أستطيع المغادرة. لقد سجنت لفترة أطول من العقوبة بكثير”.[123]

قال موظفو الإصلاحية إنه عندما يُحكم على الأطفال بفترة ما، تُطرح منها المدة التي قضوها في الإصلاحية، وليس المدة التي قضوها في الاحتجاز لدى الأسايش، رغم أن بعض الأطفال احتُجزوا من قبل الأسايش لعدة أشهر قبل نقلهم إلى الإصلاحية. كما قال الموظفون إنهم ممنوعون من إطلاق سراح المحتجزين دون إذن من الأسايش. قالوا أيضا إن في وقت زيارة هيومن رايتس ووتش، كان هناك 12 طفلا محتجزين في الإصلاحية رغم انقضاء عقوباتهم.[124] قالت حكومة إقليم كردستان أن محكمة الاستئناف يجب أن توافق على إطلاق سراح المحتجزين.[125]

هناك طفلان محتجزان منذ 14 شهرا، رغم أن عقوبة كل منهما هي 9 أشهر. اعتُقل “صلاح الدين” في سبتمبر/أيلول 2017 واحتجزته الأسايش 4 أشهر قبل نقله إلى الإصلاحية. حوكم في أغسطس/آب 2018، بعد عام تقريبا من اعتقاله، ونال 9 أشهر سجنا. لما قابل هيومن رايتس ووتش في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، لم يكن يعرف متى يُطلق سراحه.[126]

الأطفال الأجانب المتهمون بالارتباط بداعش

احتجزت السلطات العراقية والكردية نحو 1,700 من النساء والأطفال الأجانب الذين استسلموا مع مقاتلي داعش في أغسطس/آب 2017. وبحسب قوات أمن عراقية، فإن عدد الأطفال الأجانب المحتجزين يفوق 800.[127] اتهمت السلطات العراقية العديد من هؤلاء النسوة والأطفال، ومنهم من لم يتجاوز 9 أعوام، بدخول البلاد بطريقة غير شرعية، وأغلب النساء وبعض الأطفال بتهم الانتماء إلى داعش أو مساعدته، عملا بقانون مكافحة الإرهاب العراقي.

وبحسب “مجلس القضاء الأعلى”، أدين ما لا يقل عن 185 طفلا أجنبيا بتهم الإرهاب، وصدرت بحقهم أحكام سجنية، بحلول نهاية 2018.[128] على سبيل المثال، حُكم على مواطن ألماني ( 16 عاما) بالسجن 6 أعوام – 5 أعوام بسبب الانتماء إلى داعش وعام بسبب دخول البلاد بطريقة غير شرعية.[129] راقبت هيومن رايتس ووتش محاكمتين لطفلين من أذربيجان (13 و14 عاما) حُكم على كل منهما بالسجن 6 أشهر بسبب دخول البلاد بطريقة غير شرعية، رغم أنهما قالا إنه لم يكن أمامهما أي خيار، وكانا يبلغان من العمر 10 و11 عاما لما جلبهما أهاليهما إلى العراق.[130]

أثناء زيارة هيومن رايتس ووتش لإصلاحية النساء والأطفال بأربيل، قال المدير إنه يوجد حوالي 40 طفلا من دول أجنبية محتجزين في الإصلاحية مع أمهاتهم، ينحدرون من إيران وتركيا واندونيسيا.[131] كما أكدت حكومة إقليم كردستان أن ما لا يقل عن 41 امرأة تركية وإيرانية كُن محتجزات في الإصلاحية في 2018.[132] لم يُسمح لـ هيومن رايتس ووتش بمقابلة النساء أو أطفالهن.

 

V. عواقب الاحتجاز والملاحقة القضائية

 

سياسات العراق وحكومة إقليم كردستان المتعلقة بالاحتجاز والملاحقة القضائية بسبب الارتباط بداعش لها عواقب[133]

أطلق سراح “بدير” من الإصلاحية في يونيو/حزيران 2018، فذهب للعيش في مخيم للنازحين. شعر أنه ما من مكان آخر في وسعه الذهاب إليه، واعتقد أنه إذا عاد إلى قريته الأصلية، ربما يُقتل على يد قوات الحشد الشعبي أو سكان من مجتمعه المحلي. قال إنه لم يلتحق بداعش، ولا أحد آخر من مجتمعه المحلي فعل، لكن تعرضه للاعتقال والاحتجاز سيقنع الآخرين بأنه مذنب. قال: “هم [القرويون] سيقولون ‘بما أنك كنت معتقلا، فأنت داعشي'”.[134]

كان “فواز” أيضا يعيش في مخيم للنازحين بعد إطلاق سراحه من الإصلاحية، وكان يخشى العودة إلى منزله. قال إن ابن عمه قاتل مع داعش، وقتل في صفوفه الأمامية، وإن “العشائر الأخرى في القرية عانوا من داعش وينظرون إلى عائلتي كدواعش… ربما تأتي قوات الحشد الشعبي وتقطع رأسي. قد أعيش 3 أيام فقط، فبمجرد أن يعلموا بوجودي في القرية، سيأتون ويأخذونني”.[135]

قال “حسين” (15 عاما) إنه لن يكون أمامه أي خيار بعد إطلاق سراحه سوى الذهاب إلى مخيم. قال إن له أقارب انتموا إلى داعش، لذلك لا يستطيع العودة. كما عبّر عن تخوّفه من أن يُعتقل مجددا. قال: “قد تقبض عليّ قوات الحشد الشعبي، وأسجن 15 عاما”. كما قال إنه سمع من محتجزين آخرين أن طفلا أُطلق سراحه من الإصلاحية وعاد إلى منزله في الحويجة، لكن بعد 3 أو 4 أيام اعتقلته قوات الحشد الشعبي”.[136]

قابلت هيومن رايتس ووتش الطفل “كريم” (المذكور سابقا) والذي تعرض للاعتقال مرتين – مرة على يد السلطات الكردية وأخرى على يد السلطات العراقية.

اعتُقل “كريم” أول مرة من قبل قوات عسكرية تابعة لحكومة إقليم كردستان في نقطة تفتيش عسكرية أثناء فراره من منزله في مارس/آذار 2016، ثم احتُجز في الإقليم لأكثر من سنة، قبل أن يُطلق سراحه دون تهم لعدم كفاية الأدلة في أبريل/نيسان 2017. بعد أن أطلق سراحه من إصلاحية أربيل، قال كريم إنه عاد إلى منزله في منطقة خاضعة لبغداد، وتقدم بطلب للحصول على بطاقة هوية جديدة. ولما وصل إلى مرحلة الفحص الأمني بوزارة الداخلية، أخبرته قوات الأمن إن اسمه موجود على “قائمة مطلوبين” يُشتبه في انتمائهم إلى داعش، فاعتقلوه وأخذوه إلى سجن قريب.[137]

قال “كريم” إنه احتجز في السجن 45 يوما تعرض خلالها للتعذيب على يد المحققين الذين طلبوا منه الاعتراف بالانتماء إلى داعش 3 أيام. أخبر كريم المحققين أنه كان مسجونا في أربيل، وكانت معه الوثيقة التي تأمر بالإفراج عنه، لكن المحققين لم يعترفوا بالوثيقة. قال إنه انتهى إلى الاعتراف بالانتماء إلى داعش 3 أيام، ولم يُطلق سراحه إلا بعد أن عُرض على قاض آخر في ديسمبر/كانون الأول 2017 فأخبره بأنه اعترف تحت التعذيب وأنه كان محتجزا في إقليم كردستان. أمر القاضي بإطلاق سراحه بعد أسبوعين، وتمكّن من العودة إلى عائلته.[138]

قالت والدته:

كان يحب المدرسة، واليوم يجلس في البيت كامل اليوم ولا يذهب إلى المدرسة. أصبح يخشى أن يغادر القرية فتقبض عليه قوات الأمن مجددا في احدى نقاط التفتيش لأن اسمه على الأرجح لم يُسحب من قائمة المطلوبين. صار يجلس هنا وهو خائف جدا من أن يُعتقل مجددا.[139]

أغلب الأطفال يعتقدون أن الخيارين المتاحين لهم بعد الافراج عنهم هما العيش في مخيم أو مغادرة العراق. “طاهر”، الذي أنكر أي صلة شخصية له بداعش، قال إن له أقارب كانوا مع داعش وإنه لا يعتقد أنه يستطيع العودة إلى أهله بأمان، ولذلك عليه الذهاب إلى مخيم. قال: “لا أعتقد أننا سنستطيع مغادرة المخيم لأن وضعنا صعب جدا”.[140] قال “نسيم” متحدثا عما سيحدث له بعد الإفراج عنه: “لن نشعر أبدا بأننا قادرون على التجول في الشوارع”.[141]

بعض الأطفال واجهوا انفصالا طويلا عن عائلاتهم، حتى بعد الإفراج عنهم. احتُجز “بدير” عامين تقريبا ولم ير عائلته منذ توقيفه في يونيو/حزيران 2016، لما كان عمره 15 عاما. يعيش الآن في مخيم، وليس لديه معلومات للاتصال بعائلته، ولا يستطيع تحديد مكانها. قال: “أنا دائما حزين. لم أر عائلتي منذ عامين، وأنا افتقدهم كثيرا”.[142]

كثيرا ما يخسر الأطفال المحتجزون بسبب صلاتهم المزعومة بداعش سنوات من الدراسة، ما يصعّب عليهم العودة إلى المدرسة أو إيجاد عمل. الكثير منهم غادروا المدرسة عندما سيطر داعش على مناطقهم أو أغلق مدارسهم، ثم وقعوا ضحية للاحتجاز، حيث لا يكون التعليم غالبا متاحا. احتُجز “طاهر”(17 عاما) لأكثر من سنة، وقال: “كنت طالبا قبل مجيء داعش، لكن بعد ذلك أغلقت المدارس، فبقيت في المنزل. أفتقد المدرسة، لكنني اليوم صرت كبيرا للعودة إليها. لا أعرف ما الذي سيحصل لمستقبلي”.[143]

سياسات العراق وحكومة إقليم كردستان المتعلقة بالاحتجاز والملاحقة القضائية قد تغذي أيضا نقمة ربما تؤدي إلى عنف في المستقبل. قال “مالك” (17 عاما)، الذي أنكر صلته بداعش وحُكم عليه بالسجن 9 أشهر: “هناك العديد من الأطفال المحتجزين بسبب شهادات ملفقة. بعد أن يُفرج عنهم، قد يكرهون الحكومة وينتقمون منها ومن الأشخاص الذين تسببوا في سجنهم”.[144]

 

VI.المعايير القانونية  

 

المعايير القانونية الدولية

 

مشاركة الأطفال في النزعات المسلحة

ف، صادق العراق على “اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل”، التي تعرّف الطفل على أنه كل شخص دون[145] وفي 2008، انضمّ العراق إلى “البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة” (البروتوكول الاختياري). يحظر البروتوكول الاختياري أي تجنيد قسري للأطفال دون 18 عاما من قبل القوات الحكومية، ومشاركتهم في الأعمال العدائية الفعلية من قبل أي طرف. كما يفرض التزامات على الجماعات المسلحة من غير الدول، ومنها الجماعات المتمردة والميليشيات. تنص المادة 4 على أنه “لا يجوز أن تقوم المجموعات المسلحة المتميزة عن القوات المسلحة لأي دولة في أي ظرف بتجنيد أو استخدام الأشخاص دون سن الثامنة عشرة في الأعمال الحربية”.[146] كما يعتبر تجنيد واستخدام الأطفال دون 15 سنة في النزاعات المسلحة جريمة حرب.[147]

تُقرّ المعايير الدولية بحق الأطفال الذين شاركوا في نزاعات مسلحة في الحصول على معاملة خاصة، مع إعطاء الأولوية لإعادة تأهيلهم وإعادة ادماجهم في مجتمعاتهم. تعترف هذه المعايير – التي تشمل قوانين ملزمة وأخرى غير ملزمة – بأن هؤلاء الأطفال هم في الأساس ضحايا لانتهاكات القانون الدولي، وليسوا جناة، وتمنع استخدام الاحتجاز، إلا في الحالات الاستثنائية التي ربما ارتكبوا فيها جرائم خطيرة، أو لما يشكلون خطرا كبيرا على أمن الدولة. وحتى في هذه الحالات الاستثنائية، يفرض القانون الدولي تطبيق معايير سلامة الإجراءات وقضاء الأحداث الدولي، ولا يسمح باستثناءات على أساس حالة الطوارئ الوطنية أو خطورة الجريمة.

يدعو البروتوكول الاختياري الدول إلى تقديم المساعدة اللازمة للأطفال، الذين جُندوا أو استُخدموا في نزاع مسلح بما يخالف البروتوكول، على تحقيق التعافي البدني والنفسي والاندماج الاجتماعي.[148] كما تنص اتفاقية حقوق الطفل على أن أي ملاحقة قضائية للأطفال بسبب أعمال إجرامية يجب أن تعطي الأولوية لمصالح الطفل الفضلى وأن تكون بهدف إعادة تأهيل الطفل وتشجيع إعادة اندماجه واضطلاعه بدور بناء في المجتمع.[149]

منذ 1999، اعتمد “مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة” سلسلة من القرارات بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة، والتي دعت الدول الأطراف إلى ضمان إعادة تأهيل وإدماج الأطفال الذين جُندوا بما يخالف القانون الدولي، وتشمل القرارات رقم 1261 (1999)، 1314 (2000)، 1379 (2001)، 1460 (2003)، 1539 (2004)، 1612 (2005)، 1882 (2009)، 1998 (2011)، 2225 (2015)، و2427 (2018). تطرّق القرار رقم 2225 الذي اعتُمد في 2015 إلى الاحتجاز تحديدا، ودعا الدول الأطراف إلى أن:

تنظر في اتخاذ اجراءات غير قضائية تكون بمثابة بدائل للمحاكمة والاحتجاز وتركز على إعادة تأهيل وإدماج الأطفال المرتبطين سابقا بالقوات وبالجماعات المسلحة، على أن يراعي ذلك مبدأ عدم حرمان الأطفال من حريتهم إلا في الحالات القصوى ولأقصر فترة زمنية ممكنة مع الحرص، حيث أمكن، على تفادي احتجاز الأطفال قبل المحاكمة.[150]

توسّع بيان رئاسي غير ملزم لمجلس الأمن عام 2017 في مخاوف المجلس، وأكد على ضرورة إيلاء “اهتمام خاص” لمعاملة الأطفال الذين لهم ارتباطات مزعومة بجميع الجماعات المسلحة من غير الدول، بما يشمل الأطفال الذين يرتكبون أعمال إرهابية، وسائل “منها إنشاء إجراءات تشغيل موحدة بشأن التسليم السريع لهؤلاء الأطفال إلى الجهات المدنية المعنية بحماية الطفل”.[151]

تضع “القواعد والمبادئ التوجيهية بشأن الأطفال المرتبطين بالقوات المسلحة أو الجماعات المسلحة” (مبادئ باريس)، وهي حزمة مبادئ توجيهية دولية غير ملزمة أقرتها أكثر من 100 دولة، مجموعة واسعة من المبادئ الرامية إلى حماية الأطفال من التجنيد والاستخدام في النزاعات المسلحة، وأثناء تحريرهم وإعادة ادماجهم في الحياة المدنية.[152] تنص المبادئ على أن تُنفذ إجراءات التحرير وإعادة الإدماج دون أي قيود. وأثناء التحرير، يتعيّن تسليم الأطفال إلى “جهة قائمة على عملية مدنية ملائمة ومستقلة وذات التفويض اللازم”، وإعادة أغلب الأطفال إلى عائلاتهم ومجتمعاتهم المحلية أو إلى بيئة فيها عائلات ومجتمع محلي في أقرب وقت ممكن بعد التحرير.[153]

كما تنص قواعد باريس أيضا على أنه:

يمنع ملاحقة الأطفال الذين ارتبطوا بقوات مسلحة أو جماعات مسلحة أو عقابهم أو تهديدهم بالملاحقة أو العقاب فقط لانتمائهم لهذه القوات أو الجماعات.[154]

بالإضافة إلى ذلك، يجب اعتبار الأطفال المتهمين بجرائم ارتُكبت حين كانوا مرتبطين بقوات مسلحة أو جماعات مسلحة “أولا وقبل كل شيء كضحايا خرق القانون الدولي وليس فقط كجناة”.[155]

المعايير الخاصة بالأطفال المتهمين بجرائم متعلقة بالإرهاب

تنص اتفاقية حقوق الطفل على عدد من الحقوق الهامة للأطفال المتهمين بارتكاب جرائم، فهي تحظر التعذيب وسوء المعاملة؛[156] وتنص على أن يكون احتجاز الأطفال الملاذ الأخير ولأقصر فترة ممكنة؛[157] وأن يُسمح لهم عموما بالتواصل مع عائلاتهم عبر المراسلات والزيارات.[158] كما يحق للطفل إعداد دفاع مناسب من خلال “الحصول على مساعدة قانونية أو غيرها من المساعدة الملائمة”،[159] وله الحق في “الفصل في دعواه دون تأخير في محاكمة عادلة وفقا للقانون، بحضور مستشار قانوني أو بمساعدة مناسبة أخرى”، بحضور والديه أو الأوصياء القانونيين عليه،[160] والحق في “عدم اكراهه على الإدلاء بشهادة أو الاعتراف بالذنب”.[161]

أدانت “الجمعية العامة للأمم المتحدة” في قرارها المتعلق بـ “مراجعة استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب”، التجنيد والاستخدام المنهجيين للأطفال لارتكاب هجمات ارهابية، وأقرت أن الأطفال الذين يُزعم أنهم ارتكبوا – أو المتهمين بارتكاب – جرائم ارهابية قد يكونون هم أنفسهم ضحايا للإرهاب. كما شدّدت على أن يعاملوا بطريقة تحفظ حقوقهم وكرامتهم واحتياجاتهم، بما يتماشى مع القانون الدولي المنطبق، لا سيما الالتزامات الناجمة عن اتفاقية حقوق الطفل.[162]

وضعت “مذكرة نيوشاتل حول الممارسات الجيدة لقضاء الأحداث في سياق مكافحة الارهاب” مبادئ توجيهية حول احترام الدول لحقوق الطفل في القضايا المتعلقة بالإرهاب. صيغت المذكرة تحت رعاية “المنتدى العالمي لمكافحة الارهاب”، بمشاركة خبراء من الحكومات والقضاء والأوساط الأكاديمية والمنظمات الدولية والمجتمع المدني. حددت المذكرة 13 ممارسة جيدة، مشددة على أن يكون الاختصاص الأساسي والمفضل للأطفال المتهمين بجرائم تتعلق بالإرهاب هو الأنظمة المتخصصة بقضاء الأحداث. كما أكدت على أن تكون مصالح الطفل الفضلى اعتبارا أساسيا، وأن يُبذل اهتمام خاص ببدائل الملاحقة القضائية، وأن يكون الهدف من أي عمل قضائي إعادة ادماج الطفل في المجتمع.[163] شجعت المذكرة الدول على تطوير آليات تحويل لتجنب الآثار السلبية للإجراءات القضائية الرسمية. تنص المبادئ التوجيهية على أن “يترتب على انجاز الطفل الناجح لبرنامج التحويل إلى إغلاق قاطع ونهائي لقضيته، مع عدم الاحتفاظ بسجل جنائي أو أي نوع آخر من السجلات العامة بشأنه”.[164]  كما تدعو المحاكم إلى إصدار أحكام فردية ومتناسبة تأخذ في الاعتبار خطورة الجريمة والوضع الخاص بالطفل وعوامل التخفيف، والنظر في العقوبات غير السجنية، بما في ذلك الجرائم المتعلقة بالإرهاب.[165]

تنص مبادئ باريس على أن يعتبر الطفل المتهم بارتكاب أعمال غير قانونية ضمن جماعة مسلحة أولا وقبل كل شيء كضحية لانتهاكات القانون الدولي، وليس فقط كجان.[166] يجب البحث عن بدائل للإجراءات القضائية كلما كان ذلك ممكنا،[167] وينبغي أن تكون كل محاكمة جنائية متسقة مع معايير قضاء الأحداث الدولي.[168] وإذا ما تعرض طفل للمحاكمة، تنص مبادئ باريس على أن “الهدف من أي عقوبة تُفرض على الطفل يجب أن يكون تشجيع إعادة التأهيل وإعادة الادماج في المجتمع وليس العقاب”.[169]

يحظر كل من “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”[170]  واتفاقية حقوق الطفل معاقبة الأطفال الجناة بالإعدام.[171] كما أن أحكام المؤبد دون إمكانية الافراج محظورة بموجب اتفاقية حقوق الطفل،[172] لكن “لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل” أوصت الدول بإلغاء جميع أحكام المؤبد على الأطفال الجناة.[173]

القانون الاتحادي العراقي

يعرّف قانون مكافحة الإرهاب لعام 2005 (رقم 13/2005)، أبرز تشريع عراقي لمكافحة الإرهاب، الإرهاب بعبارات فضفاضة تشمل “كل فعل اجرامي يقوم به فرد أو جماعة منظمة” استهدف فردا أو مجموعة أفراد أو جماعات أو مؤسسات رسمية أو غير رسمية أوقت الأضرار بالممتلكات العامة والخاصة “بغية الإخلال بالوضع الأمني أو الاستقرار والوحدة الوطنية أو إدخال الرعب أو الخوف والفزع بين الناس أو إثارة الفوضى تحقيقا لغايات ارهابية”.[174] يعاقب القانون كل من ارتكب أو حرّض أو موّل أو ساعد على عمل ارهابي بالإعدام، وكل من تستر على العمل أو آوى المشاركين فيه بالمؤبد.[175]

عبرت لجنة حقوق الإنسان في تقريرها الصادر في ديسمبر/كانون الأوّل 2015 عن قلقها من أن هذا التعريف “يفسح المجال لتفسيره بشكل فضفاض”، ولاحظت بانزعاج “استخدام هذا القانون على نطاق واسع، بما في ذلك ضدّ الأطفال والنساء اللواتي لم يبلّغن عن أنشطة أزواجهن المشتبه في أنهم ارهابيون”.[176] كما أوصت اللجنة الحكومة العراقية بتعديل هذا التعريف ليصير متماشيا مع المعايير الدولية.[177] تنص المادة 37(1) من “دستور العراق” على أنه “يحرم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية” و “أي اعتراف انتُزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب، وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي أصابه، وفقا للقانون”.[178]

بموجب “قانون رعاية الأحداث لعام 1983″، فإن السن الدنيا للمسؤولية الجنائية هي 9 سنوات.[179]  ينصّ هذا القانون على أن أي قاصر يتم اعتقاله يُنقل إلى عهدة شرطة الأحداث، التي تعرضه على قاض من محكمة الأحداث.[180] بموجب المادة 52، لا يجوز احتجاز أي طفل دون 14 عاما، والذين تجاوزوا هذه السن يُحتجزون فقط إذا كانوا متهمين بارتكاب جريمة عقوبتها الاعدام.[181] وفي هذه الحالة، ينص القانون على أن تُصدر محكمة الأحداث حكما بإرسال الطفل إلى “مدرسة تأهيل الفتيان” – التي أنشئت لتحقيق إعادة التأهيل والاندماج الاجتماعي عن طريق التعليم والتدريب المهني –[182] لفترة لا تقل عن 5 سنوات ولا تتجاوز 15 سنة.[183]

في أغسطس/آب 2016، اعتُمد “قانون العفو العام” الذي يعفو نظريا على كل شخص التحق بداعش أو جماعة متطرفة أخرى دون إرادته، ولم يرتكب أي جرائم خطيرة، مثل حيازة واستخدام المتفجرات، التشويه أو القتل.[184] غير أن القضاة الذين ينظرون في قضايا مكافحة الارهاب غالبا ما يرفضون تطبيق هذا القانون.[185]

قانون حكومة إقليم كردستان

تمارس حكومة إقليم كردستان ولاية قضائية في محافظات دهوك، أربيل، والسليمانية، واعتمدت وطبقت قوانينها الخاصة منذ 1992. وفي 2006، أقرت قانونها الخاص لمكافحة الارهاب (رقم 3/2006)، الذي ينص على عقوبة الاعدام في حق كل من يرتكب عملا ارهابيا، أو ينضم أو يؤسس أو ينسق أو يتعاون مع تنظيم ارهابي حرّض أو خطط أو مول أو ساعد على عمل ارهابي. كما يفرض القانون عقوبة المؤبد على مجموعة واسعة من الجرائم، ومنها تدمير منزل والاختطاف وتمويل عمل. وينص على عقوبة لا تتجاوز 15 عاما لكل من ينشر دعاية ارهابية ويعلم بعمل ارهابي ولا يُخبر السلطات.[186]

يضمّ نظام المحاكم الكردية محاكم جنائية متخصصة تنظر في جرائم مكافحة الارهاب، فيها قضاة مختصون في قضايا الأحداث الذين يواجهون تهما ارهابية. كالعراق تماما، يفرض قانون أصول المحاكمات الجزائية لحكومة كردستان على السلطات عرض المحتجزين على قاض في غضون 24 ساعة من وقت الاحتجاز، ثم يستطيع القاضي الأمر بالاستمرار في احتجازهم لفترات قابلة للتجديد قد تصل 6 أشهر.[187]

الحد الأدنى لسن المسؤولية الجناية في إقليم كردستان هو 11 عاما.[188]

التوصيات

إلى برلمانَيْ العراق وإقليم كردستان

  •  تعديل قوانين مكافحة الإرهاب لوقف تجريم الانتماء إلى تنظيم ارهابي للأفراد الذين هم دون 18 عاما ولهم ارتباطات بجماعات مماثلة، والاعتراف بأن القانون الدولي يحظر تجنيد الأطفال في الجماعات المسلحة.
  •  تعديل قوانين مكافحة الارهاب بما يجعل معاملة الأطفال الذين ارتكبوا أعمالا إجرامية كأعضاء في داعش، متسقة مع المعايير الدولية لقضاء الأحداث، ويجعل هدفها الأساسي هو إعادة تأهيلهم وإدماجهم.
  • رفع الحد الأدنى لسن المسؤولية الجناية إلى 12 سنة على الأقل، ويفضل أن تكون أعلى من ذلك بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الطفل.

إلى البرلمان العراقي

  •  اعتماد مشروع “قانون مكافحة التعذيب”، الذي سيفرض على القضاة إجراء فحص طبي لأي محتجز يزعم التعرض للتعذيب في غضون 24 ساعة من الاطلاع على المزاعم وإلغاء كل الأدلة التي تُنتزع تحت التعذيب؛ فرض عقوبات جنائية على من يرتكب التعذيب ومن يأمر به؛ وإلزام المسؤولين بالسماح لمحامي المحتجز بحضور جميع مراحل التحقيق.
  •  المصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وتطبيقه.

إلى المجالس القضائية في العراق وحكومة كردستان

  •  في انتظار تعديلات القوانين، إصدار توجيه عام إلى جميع قضاة التحقيق والمدعين العامين والأجهزة الأمنية بعدم توقيف أو احتجاز أو محاكمة أي طفل للاشتباه في انتمائه إلى داعش.
  •  الأمر بالإفراج عن الأطفال المحتجزين لانتمائهم المزعوم إلى داعش ما لم يكن يُشتبه بارتكابهم جرائم عنيفة.
  •  إصدار توجيهات تضمن معاملة الأطفال المتهمين بارتكاب أعمال جنائية خطيرة مع داعش بطريقة تتماشى مع المعايير الدولية لقضاء الأحداث. يشمل ذلك احتجاز الأطفال فقط كملاذ أخير ولأقصر مدة ممكنة، احتجازهم بمعزل عن البالغين، تزويدهم بمحام، إعطاء الأولوية لإعادة تأهيلهم وإدماجهم في المجتمع، وضمان أن تكون الأولوية المطلقة لمصالحهم الفضلى.
  •  توجيه القضاة بوقف المحاكمات التي يزعم فيها المتهمون أنهم تعرضوا لسوء المعاملة، فتح تحقيقات شاملة ومستقلة في هذه المزاعم، إبطال أي اعترافات انتُزعت بالإكراه.
  •  توجيه القضاة بأن يسألوا بشكل استباقي المتهمين الذين اعترفوا، إن كان الاعتراف قد انتزع منهم بالقوة.
  • توجيه قضاة التحقيق بإبلاغ المحتجزين بحقهم في الحصول على خدمات قانونية مجانية قبل بدء جلسة التحقيق.
  •  الأمر بالتغيير الفوري لمكان احتجاز الأطفال الذين يزعمون التعرض إلى التعذيب أو سوء المعاملة لحمايتهم من الانتقام.
  •  التأكد من حصول جميع الأطفال الذين أفرج عنهم تلقائياً عند إطلاق سراحهم على وثائق صالحة عن محكمتهم بالعربية وتبيّن أنه قد أُطلق سراحهم من دون تهم أو قد أتموا مدة عقوبتهم.

إلى وزارات الداخلية والعدل والعمل والشؤون الاجتماعية في العراق وإقليم كردستان

  •  اعتماد وتطبيق بروتوكولات تسليم تضمن النقل الفوري للأطفال الذين لهم صلات بداعش دون أن يتورطوا في جرائم عنيفة، إلى برامج إعادة تأهيل مناسبة.
  •  بدعم دولي، ضمان معاملة الأطفال المتهمين بجرائم مزعومة أثناء ارتباطهم بداعش بموجب القانون الوطني أو الدولي بطريقة تتماشى مع المعايير الدولية لعدالة الأحداث – لا سيما ضمان اعتبار الاحتجاز ملاذا أخيرا ولأقصر فترة ممكنة، فصل الأطفال عن البالغين، إعطاء الأولوية المطلقة لمصالحهم الفضلى ولإعادة تأهيلهم وإدماجهم في المجتمع.
  • ضمان البت في قضايا الأطفال المتهمين بارتكاب جريمة مزعومة أثناء ارتباطهم بداعش في نظام متخصص بقضاء الأحداث.
  •  وضع وإنشاء بدائل عن الاحتجاز والإجراءات القانونية الخاصة بالأطفال المتهمين بجرائم أثناء ارتباطهم بداعش، بما يشمل برامج التحويل وإعادة التأهيل، برامج الخدمة الاجتماعية والإشراف المجتمعي، وبرامج التعليم والتدريب المهني.
  •  ضمان عرض جميع الأطفال المحرومين من حريتهم على سلطة مختصة في غضون 24 ساعة لمراجعة قانونية احتجازهم.
  •  ضمان حصول جميع الأطفال المتهمين بعمل جنائي أو المحالين على المحاكمة على مساعدة قانونية مناسبة ومجانية؛ ضمان حضور المحامي في جميع المقابلات التي لها أهداف تتعلق بالعدالة الجنائية.
  •  أمر جميع القوات الأمنية بالإسراع في إبلاغ الأقارب بمكان احتجاز الطفل وضمان تمكين جميع الأطفال المحتجزين لدى الحكومة من التواصل السريع مع أقاربهم أو الأوصياء عليهم ومحاميهم.
  • ضمان إطلاع الأقارب والأوصياء بشكل منتظم حول احتجاز أطفالهم والتهم الموجهة لهم وجلسات الاستماع الخاصة بهم.
  •  السماح للوكالات الإنسانية المستقلة بإجراء مراقبة غير مقيدة وغير معلنة لجميع المنشآت الحكومية التي يُحتجز فيها أطفال.
  • بدعم دولي، توفير خدمات تعليمية وغيرها من خدمات إعادة الإدماج والتأهيل للأطفال المحتجزين لدى الحكومة، بما يشمل اتصالهم بالعاملين على ملفاتهم.
  • ضمان عدم الاستمرار في احتجاز الأطفال بعد انتهاء عقوباتهم.
  •  إنشاء آليات شكاوى فعالة يستخدمها الأطفال للتبليغ عن مزاعم التعذيب والمعاملة السيئة.

إلى وزارتي العمل والشؤون الاجتماعية

  •  بالتعاون مع اليونيسف ووكالات حماية الطفولة، وضع برامج إعادة تأهيل وادماج مناسبة للأطفال الذين كانت لهم ارتباطات بداعش، تشمل التدريب المهني والبرامج التعليمية والمساعدة النفسية-الاجتماعية، ومبادرات لإعادة الادماج الاجتماعي.

إلى الحكومات الأجنبية التي لها مواطنين أطفال متهمين بالانتماء إلى داعش

  • تسهيل عودة مواطنيها الأطفال، وتقديم الدعم لإعادة تأهيلهم وادماجهم، بما يتماشى مع المعايير الدولية.
  •  حث السلطات العراقية على ضمان معاملة مواطنيها الأطفال المتهمين بارتكاب جرائم عنيفة مع داعش بما تتماشى مع المعايير الدولية لعدالة الأحداث.

إلى المانحين الدوليين

  • الدعم العلني للتدابير المذكورة أعلاه لضمان تعزيز السلطات العراقية والكردية لالتزامها وإجراءاتها حتى يحظى الأطفال الذين لهم ارتباطات مزعومة بداعش، بما في ذلك الأطفال الأجانب، بالحماية والدعم اللازمين.
  •  الضغط علنا من أجل ولدعم مراجعة التشريعات الاتحادية وتشريعات الإقليم، بما في ذلك قوانين مكافحة الارهاب، والسياسات المتعلقة بالتعامل مع داعش، وجعلها متماشية مع المعايير الدولية لحقوق الطفل وقضاء الأحداث؛ وتقديم الدعم التقني والمساعدة لهذه الجهود.
  •  دعم الجهود الرامية إلى إنشاء بدائل عن الاحتجاز والإجراءات القضائية، بما في ذلك برامج التحويل وإعادة التأهيل، الخدمة الاجتماعية والمراقبة المجتمعية، وبرامج التعليم والتدريب المهني.
  • مساعدة السلطات الاتحادية وسلطات الإقليم على ضمان امتثال احتجاز الأطفال للمعايير الدولية – وتحديدا استخدام الاحتجاز فقط كملاذ أخير، واحتجاز الأطفال بمعزل عن البالغين، وحصولهم على مساعدة قانونية، وإعطاء الأولوية لبرامج إعادة التأهيل والادماج ومصالحهم الفضلى.
  •  دعم أنشطة حماية الطفل، بما في ذلك برامج إعادة التأهيل والادماج التي تشمل برامج تعليم وتدريب مهني والأنشطة الاستشارية الطبية والنفسية-الاجتماعية.
  •  دعم برامج الصحة النفسية السريرية للأطفال المحتاجين إلى مساعدة أكبر من تلك التي تقدم في البرامج النفسية-الاجتماعية المجتمعية.

إلى اليونيسف

  •  مساعدة حكومتي العراق وإقليم كردستان على وضع برامج إعادة تأهيل وادماج للأطفال الذين كانوا مرتبطين بداعش، وضمان وصول جميع الأطفال المعنيين إلى البرامج المناسبة.
  • العمل مع حكومتي العراق وإقليم كردستان لوضع اجراءات تشغيلية موحدة خاصة باستلام وتسليم الأطفال المرتبطين بداعش لضمان نقلهم إلى السلطات المناسبة لحماية الطفولة.

 

شكر وتنويه

أجرت أبحاث هذا التقرير كل من جو بيكر، مديرة المناصرة في قسم حقوق الطفل في هيومن رايتس ووتش، وبلقيس

قدمت سوزان راقب، منسقة أولى في قسم حقوق الطفل، مساعدة في الاخراج، وأعدت فيتزروي هوبكنس التقرير للنشر.

تشكر هيومن رايتس ووتش الأطفال والعائلات الذين أطلعونا على تجاربهم وجعلوا التقرير ممكنا. كما نشكر كل من قدم لنا معلومات أو ساعدنا بخبراته.

 

هذا التقرير صادر عن هيومن رايتس ووتش
رابط التقرير الأصلي https://www.hrw.org/ar/report/2019/03/06/327846
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.