هل تضيق النافذة لمحاسبة “داعش”؟

نديم حوري
مدير – برنامج الإرهاب ومكافحة الإرهاب | هيومن رايتس ووتش

أحيانا يمكن اختصار قضايا سياسة معقدة بسؤال بسيط. إذا قُبض على زعيم “داعش” أبو بكر البغدادي حيا غدا، فمن سيحاكمه، وأين، وعلى أي جرائم؟

عندما أطرح هذا السؤال على صناع السياسات – في العواصم الغربية أو الشرق الأوسط – غالبا ما أقابل بالصمت. يتوقع معظمهم مقتل البغدادي لا القبض عليه. لكن حتى لو لم يقبض على البغدادي على قيد الحياة، فماذا عن الآلاف من أعضاء داعش – بعضهم كانوا يشغلون أدوارا رئيسية في التنظيم – المحتجزين حاليا في سوريا والعراق؟

رغم أن سيطرة داعش على الأرض في سوريا آخذة في الانهيار، إلا أن التحالف الدولي ضد داعش والقوى المحلية لم يتبنوا بعد استراتيجية منسقة لمحاسبة أعضاء التنظيم. ما لدينا هو نهج مجزأ تشوبه عيوب كبيرة.

حوكم أعضاء داعش فقط ضمن إطار القوانين المحلية لمكافحة الإرهاب. جرائم الإرهاب مناسبة، لأن بموجبها على السلطات فقط إثبات وجود صلة بين المتهم ومنظمة إرهابية، وأحكامها طويلة. لكن هذا النهج لا يوثق النطاق الكامل للجرائم التي ارتكبها أفراد داعش ولا يقاضيهم على أفعال محددة. كما يحرم الضحايا من المثول أمام المحكمة، ولا يلقي الضوء على خفايا التنظيم. إنها فرصة ضائعة لإنشاء سجل قضائي لفظائع داعش وتقديم الأشخاص إلى العدالة عن تلك الجرائم.

هناك أيضا مخاوف جدية تتعلق بالمحاكمة العادلة ومراعاة الإجراءات الواجبة مع النهج الحالي. في العراق، سُرِّعت محاكمات المشتبه بانتمائهم إلى داعش، وصدرت بحقهم أحكام سريعة، ونُفذت العديد من أحكام الإعدام. يقول ضحايا داعش، بمن فيهم الإيزيديون، إنه تم تجاهلهم في إجراءات المحكمة، وإن الذين ألحقوا الأذى بهم لم يُتَهموا بجرائم مثل الاغتصاب أو القتل. مقاربة العراق تفتقد إلى الدقة، لدرجة أن طباخا في داعش قد يُعاقَب بنفس عقوبة عضو في التنظيم قد يكون اغتصب أو قطع رؤوس الضحايا. كما أدت انتهاكات الإجراءات القانونية الواجبة، بما فيها التعذيب، إلى تقويض الثقة في العملية.

في شمال سوريا، تحتجز “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة من الولايات المتحدة آلاف السوريين والأجانب المشتبه بانتمائهم إلى داعش. أقامت السلطات المحلية محاكم مؤقتة حاكمت مئات من أعضاء داعش السوريين من خلال تطبيق قانون محلي لمكافحة الإرهاب. لكن الإجراءات معيبة للغاية. لا يوجد محامو دفاع يمثلون المشتبه بهم، ولا آليات استئناف.

المحاكم المؤقتة لقوات سوريا الديمقراطية غير معترف بها من قبل الحكومة السورية أو المجتمع الدولي،  بما في ذلك الشركاء الدوليين للقوات، ما يثير الشكوك حول الأثر طويل المدى للأحكام والقدرة على تنفيذها. في هذه الأثناء، لا يزال مئات أعضاء داعش الأجانب – من 46 دولة – رهن الاحتجاز دون أي إجراءات قانونية، لأن قوات سوريا الديمقراطية ترغب في إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، وهو طلب رفضته معظم الدول حتى الآن.

كانت المبادرات المحلية والدولية لتحسين هذه الجهود غير مدروسة وبعضها يعاني من نقص التمويل. أعلنت السلطات العراقية في 2017 أنها ستنشئ هيئة قضائية للتحقيق في جرائم داعش ضد الإيزيديين. لكن الجماعات الإيزيدية الرئيسة، التي تدعم الأشخاص الذين كانوا مستعبدين من قبل التنظيم، يقولون إنه لم يتم التواصل معهم قط، وإن الهيئة لم تنشر أي معلومات حول عملها أو دورها في القضايا الجنائية.

كما أنشأت حكومة إقليم كردستان لجنة للتحقيق في الجرائم المرتكبة ضد الإيزيديين، لكن التقرير الأخير الصادر عن “الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان” يقول إن أدلة اللجنة لا يستعان بها حاليا في أي نظام للملاحقة القضائية. من بين أسباب غياب جهود المقاضاة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أن الجرائم الدولية، مثل جرائم الحرب والإبادة الجماعية، ليست مدرجة في القانون العراقي حاليا.

حاولت الأمم المتحدة مساعدة العراق، لكن جهودها كانت محدودة وتعاني من عيوب في التصميم. أنشأ مجلس الأمن فريقا للتحقيق في جرائم داعش في العراق، وبدأ الفريق عمله في أواخر 2018. لكن ولاية هذا الفريق، المعروف بـ “يونيتاد”، محدودة. في الوقت الحالي، يغطي الفريق فقط الجرائم التي ارتكبها عناصر داعش في العراق. لكنه لن يحقق في جرائم التنظيم في سوريا، ولن يجري تحقيقات على الجانب السوري من الحدود، كما لن ينظر في الجرائم الخطيرة التي ارتكبتها الجماعات التي قاتلت داعش في العراق رغم الأدلة الدامغة على الانتهاكات المتفشية.

ولكن حتى في العراق، حيث سيكون لدى فريق الأمم المتحدة تفويض لجمع الأدلة، ليس من الواضح كيف سيستخدم أي دليل للأمم المتحدة في المحاكمات المستقبلية. تحظر سياسة الأمم المتحدة، وهي محقة في هذا الحظر، دعم أو مساعدة العمليات التي يمكن أن تؤدي إلى عقوبة الإعدام أو تحرم المتهمين من محاكمة عادلة. وأحكام الإعدام والمحاكمات الجائرة شائعة للمتهمينبالانتماء إلى داعش في العراق. إذن، حاليا، ليس من الواضح كيف ستساهم جهود الأمم المتحدة في مواصلة هذه الملاحقات القضائية.

الغياب الصارخ لأي استراتيجية دولية لإخضاع أعضاء داعش لمحاكمة موثوقة يبرز بشكل خاص في شمال سوريا. “الائتلاف العالمي لهزيمة داعش” بقيادة الولايات المتحدة لم يضع خطة لمحاكمة أعضاء التنظيم المحتجزين هناك. وكثيرا ما كرر الأعضاء الرئيسيون في الائتلاف شعارهم بأنه يجب محاكمة أعضاء داعش الأجانب من قبل حلفاء الائتلاف المحليين، إلا أن التحالف لم يساعد السلطات المحلية في شمال سوريا على تطوير محاكمها.

مع إعلان الولايات المتحدة انسحابها من سوريا، تجد قوات سوريا الديمقراطية نفسها تحتجز مئات الأجانب المشتبه بانتمائهم إلى داعش دون قدرة أو استراتيجية للتحقيق في الجرائم التي تورطوا فيها ومحاكمتهم. أحد المخاوف هو أنه في ظل غياب خيارات أخرى، قد تميل قوات سوريا الديمقراطية إلى نقل هؤلاء الرجال في نهاية المطاف إلى عهدة الحكومة السورية – وهو احتمال يبعث على القلق نظرا للتعذيب المتفشي ونقص المحاكمات العادلة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

أنشأت الأمم المتحدة، من خلال “الجمعية العامة”، “الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسورية” (الآلية الدولية) في ديسمبر/كانون الأول 2016، للمساعدة في التحقيق بشأن المسؤولين عن أخطر الجرائم الدولية المرتكبة في سوريا منذ مارس/آذار 2011، وملاحقتهم. وخلافا ليونيتاد في العراق، يمكن للآلية الدولية التحقيق في الجرائم من قبل جميع الأطراف في سوريا. ومع ذلك، فقد جاء هذا النهج المحايد بتكلفة عملانية. فعلى عكس التحقيقات الأممية في العراق، والتي تعمل بموافقة السلطات العراقية ويمكنها إرسال فرق للعمل هناك، لا تتمتع الآلية الدولية بدعم الحكومة السورية ولا يمكنها العمل حاليا داخل سوريا.

وبينما يشكل نظام الأمم المتحدة أساسا للآلية الدولية واليونيتاد، فإن كل منهما يقتصر على التحقيق في الجرائم في بلد معين دون وجود نظام واضح لتبادل المعلومات أو الأدلة، لأنه لا يوجد منتدى مخصص له الولاية القضائية حاليا لمحاكمة هذه الجرائم. تصف الآلية الدولية نفسها بأنها “ليست… مكتب مدعي عام أو محكمة“، لذا يجب أن تعثر على الأدلة وترسلها إلى محكمة وطنية أو إقليمية أو دولية تكون لها – أو قد تكون في المستقبل – ولاية قضائية.

يمكن إرسال هذه الأدلة إلى محاكم وطنية ذات اختصاص بهذه الجرائم لأن المشتبه بهم أو الضحايا مواطنون، أو لأن هذه المحاكم تعترف بالولاية القضائية العالمية على جرائم معينة. لكن حتى الآن، كانت الدول الأوروبية مترددة في استعادة المشتبه بهم من داعش ومحاكمتهم في محاكمها، وبعض الدول غير الأوروبية التي استعادت مواطنيها لديها سجلات حقوقية سيئة، ما يثير مخاوف بشأن التعذيب والمحاكمات غير العادلة.

هذا التجزؤ في بيئة السياسات العامة يعني أن السؤال عن محاكمة افتراضية مستقبلية للبغدادي – أو أي عضو مهم آخر في داعش – لا إجابات واضحة عنه حتى الآن. إذا اعتقلته قوات سوريا الديمقراطية في سوريا، ماذا ستفعل به بعد ذلك؟ هل ستتمكن الفرق التي أنشأتها الأمم المتحدة من إرسال المعلومات التي جمعتها في مقاضاته رغم المخاوف بشأن المحاكمة العادلة وعقوبة الإعدام؟ هل سيُحاكَم بتهم تتعلق بالإرهاب أم ستكون هناك طريقة لمقاضاته بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟

رغم ضياع الكثير من الوقت، لم يفت الأوان بعد على المجتمع الدولي والفاعلين الرئيسيين في سوريا والعراق لتطوير استجابة أكثر اتساقا لمحاسبة أعضاء التنظيم. سيكون تبادل المعلومات بين فريقي الأمم المتحدة والآليات المحلية مهما، ولكن يجب أن تكون هناك عملية واضحة لضمان عدم استخدام هذه المعلومات في انتهاك الحقوق الأساسية. والأهم من ذلك، حان الوقت للبدء في التفكير في الأماكن المحتملة التي يمكن أن توفر محاكمات عادلة، وضمان مشاركة الضحايا، ومقاضاة كبار أعضاء داعش على كامل الجرائم التي ارتكبوها.

إذا اعتقدت الجهات الفاعلة الدولية الرئيسية أن مثل هذه المحاكمات يمكن عقدها محليا – وهو اقتراح يبدو بعيد المنال نظرا للانتهاكات المتفشية في سوريا والعراق – فعليها أن تستثمر في تعزيز نظم العدالة المحلية، وضمان المحاكمة العادلة، وإلغاء عقوبة الإعدام، وتشجيع السلطات المحلية على تعديل قوانينها للسماح بالمقاضاة على الجرائم الدولية. إذا كان أي من الإرادة السياسية أو السياق السياسي لا يسمح بمثل هذه الجهود، فقد حان الوقت لاستكشاف أي من المحاكم الأخرى يمكن أن تتولى الولاية القضائية. هذه المشاكل لن تُحَل لمجرد رغبتنا بذلك.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.